دراسة تكشف: الحصين يعمل كـ”جي بي إس” الدماغ للذاكرة والمعاني

دراسة تكشف: الحصين يعمل كـ”جي بي إس” الدماغ للذاكرة والمعاني

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة شيكاغو عن آلية عمل مدهشة داخل الدماغ، حيث يتضح أن جزءًا محددًا يعيد تنظيم نشاطه بناءً على مدى توافق الموقف الحالي مع ذكريات وتوقعات الشخص. يعتبر “الحصين” مركزًا حيويًا في الدماغ، يلعب دورًا محوريًا في الذاكرة والتعلم، وخاصة في مهام تذكر الاتجاهات والمواقع.

في التفاصيل، اعتمدت هذه الدراسة، التي نُشرت في وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم، على استخدام تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لتتبع نشاط الدماغ لدى المشاركين. تمت مراقبة أدمغتهم أثناء مشاهدتهم لسلسلة من الصور المعروضة في مواقع مختلفة. النتائج كشفت عن سلوكيات فريدة للحصين.

كيف يعمل الحصين في الدماغ؟

عندما كانت الصور التي يشاهدها المشاركون تتطابق مع توقعاتهم، كان نشاط الحصين يتحرك بسلاسة وهدوء من الأمام إلى الخلف، وكأنه جزء متصل من آلية واحدة. ولكن، عندما كانت الصور تختلف عن الأنماط التي تعلموها سابقًا، لاحظ الباحثون أن نشاط الحصين ينقسم إلى مناطق متخصصة، كل منطقة تتولى جزءًا من المعلومات.

إذا حدث تغيير في “ما” في الصورة – كأن يتوقع الشخص رؤية كلب ويجد قطة – فإن النشاط يتركز في الجزء الأمامي من الحصين. أما إذا كان التغيير في “مكان” الصورة – كأن تظهر صورة الكلب على الجانب الأيسر بدلًا من الأيمن المتوقع – فإن النشاط يتركز في الجزء الخلفي من الحصين. يعكس هذا تخصصًا وظيفيًا دقيقًا داخل هذه المنطقة الهامة من الدماغ.

“الذكريات الحقيقية لا تقتصر على الأشياء أو المواقع فحسب، بل ترتبط بالمفاهيم والمعاني”، هكذا أوضح جيمس كراجل، الباحث الرئيسي للدراسة. وأضاف: “إن كيفية تعامل الحصين مع المكان والمعنى في الوقت نفسه كانت أحد الأسئلة المركزية التي لم يتم حلها في علم الأعصاب المتعلق بالذاكرة. هذا يحل جدلاً طويلاً حول تنظيم الحصين ويشير إلى أن المرونة، وليس البنية الثابتة، هي مبدأ أساسي لكيفية تنظيم الدماغ للذاكرة، والتي تشمل المعلومات المكانية والدلالية على حد سواء.”

الحصين: نظام تحديد المواقع العالمي للدماغ

يُلقب الحصين أحيانًا بـ “نظام تحديد المواقع العالمي للدماغ” نظرًا لدوره البارز في تذكر الأماكن والمعالم. في عام 2014، تم منح جائزة نوبل في الطب تقديرًا لاكتشاف خلايا المكان وخلايا الشبكة في الدماغ، وهي الخلايا التي تساعد في تتبع الموقع ورسم خريطة للفضاء المحيط. ركزت الكثير من الأبحاث السابقة على هذه الجوانب المكانية للحصين.

تشير دراسات أخرى أجريت بالرنين المغناطيسي على القوارض والبشر إلى أن المنطقة الأمامية للحصين تعالج المعلومات العامة أو “الصورة الكبيرة”، بينما تتعامل المنطقة الخلفية مع التفاصيل الدقيقة. ومع ذلك، فإن أهمية المعلومات غير المكانية لا تقل، كتجربة الغرفة التي تتغير بشكل ملحوظ إذا تغير لون قطعة أثاث معينة، حتى لو بقيت جميع القطع في أماكنها.

تفاصيل التجربة العلمية

لفهم أعمق لكيفية معالجة الحصين للمعلومات المكانية والمفاهيمية معًا، اختار الباحثون 28 مشاركًا. طُلب منهم تعلم تسلسلات من خمس صور موضوعة في مواقع مختلفة على شكل مصفوفة دائرية. بعد حفظ التسلسلات، خضع المشاركون لفحص بالرنين المغناطيسي، حيث شاهدوا صورًا معدلة للتسلسلات الأصلية، مع بعض الاختلافات.

تضمنت التعديلات تبديل صور بمواضعها المتوقعة، أو نقل صورة إلى موقع مختلف، أو إجراء كلا التغييرين. لاحظ الباحثون أن نشاط الحصين كان مختلفًا بناءً على مدى توافق الصور المعروضة مع توقعات المشاركين.

قادت رؤية جسم مختلف في موقف متوقع إلى زيادة النشاط في المنطقة الأمامية للحصين. بينما أدت الاختلافات في الموقع إلى زيادة النشاط في المنطقة الخلفية. أما التغييرات التي شملت كلًا من الجسم وموقعه، فقد أدت إلى نشاط في المنطقة المركزية، مما يدعم دورها في الموازنة بين هذين النوعين من المعلومات.

الفرز والاستجابة: دور الحصين في المعالجة

ترتبط مناطق مختلفة من الحصين بشبكات دماغية متنوعة لمعالجة المعلومات ذات المستوى الأعلى. ترتبط المنطقة الأمامية بأنظمة معالجة المفاهيم والتفكير المجرد، بينما ترتبط المنطقة الخلفية بالأنظمة المسؤولة عن المعالجة البصرية والمكانية. هذا التوزيع الوظيفي له دليل مهم.

يشير هذا إلى أن أنماط النشاط المكتشفة في الدراسة هي طريقة للحصين لفرز أي تناقضات بين ما هو متوقع وما يحدث فعليًا، ومن ثم تمرير هذه المعلومات إلى أجزاء أكثر تخصصًا من الدماغ لمزيد من المعالجة والتحليل.

أكد كراجل على أهمية هذه الآلية قائلًا: “نحن بحاجة إلى ترميز واسترجاع الذكريات بسرعة كبيرة طوال الوقت، ونحتاج إلى أن نكون قادرين على التبديل بين معالجة أنواع مختلفة من المعلومات، لذلك فإن هذا النوع من التنظيم حيث يتلقى الحصين أنواعًا مختلفة من المدخلات يسمح له بالكشف السريع عن متى تختلف المعلومات عن توقعاتنا واسترجاع الذكريات ذات الصلة لتوجيه السلوك.”

محمد فؤاد كاتب في قسم المنوعات، يقدم موضوعات متنوعة وترندات اجتماعية بأسلوب مبسط مع الالتزام بالدقة والمصداقية.