شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية تتسابق لفتح مصادر بيانات جديدة لتطوير قدرات أنظمتها الذكية
تواجه صناعة الذكاء الاصطناعي اليوم تحديًا مصيريًا يتمثل في البحث عن “الوقود الرقمي” الجديد، حيث لم تعد البيانات المتاحة للعامة على الإنترنت كافية لتطوير أنظمة تتجاوز مجرد كونها روبوتات دردشة تقليدية. تتسابق الشركات حاليًا لفتح مصادر جديدة كليًا للبيانات التي كانت محجوبة أو مبعثرة سابقًا، بدءًا من السلوكيات الشخصية الدقيقة وصولًا إلى أرشيفات الشركات الضخمة وبيانات التصوير الجوي عبر الطائرات المسيرة، مما أدى لظهور ما يعرف بأسواق البيانات الجديدة.
تعتبر البيانات الشخصية هي السوق الأول والأهم في هذه المرحلة، ورغم أن الكثيرين يعتقدون أن بياناتهم تنحصر في أرقام الهوية أو السجلات الصحية، إلا أن الواقع يشير إلى أن كل نقرة يقوم بها المستخدم تسهم في توليد بيانات قيمة. تشمل هذه المصادر قوائم الاستماع على منصات مثل “سبوتيفاي”، وأنماط المراسلة في البريد الإلكتروني، وحتى النصوص التي يتم تدوينها في مستندات جوجل أو المحادثات التي تجري مع “تشات جي بي تي” بشكل يومي.
وعندما يقرر المستخدم تنزيل بياناته من منصة مثل “إنستجرام”، فإنه يكتشف أن الشركة لا تخزن الصور فقط، بل تحتفظ بمئات النقاط البيانية التي تتوقع سلوكه وتصنف اهتماماته بدقة مذهلة. هذه التصنيفات تتراوح بين اهتمامات بسيطة مثل “محبي الطبيعة”، وتصل إلى تحليلات نفسية معقدة تتنبأ باحتمالية الإصابة بالاكتئاب، وهي بيانات لا يمكن جمعها علنًا وتعتبر ملكًا قانونيًا للمستخدم وحده.
ملكية البيانات وإعادة تشكيل النموذج المالي
تؤكد آنا كازلاوسكاس، الرئيسة التنفيذية لشركة “فانا” المتخصصة في بناء بنية تحتية لمساهمة الأفراد ببياناتهم، أن المبدأ القانوني للملكية واضح تمامًا. وتوضح كازلاوسكاس رؤيتها بضرب مثال بسيط، فإذا أوقفت سيارتك في موقف خاص، فإن صاحب الموقف لا يمتلك السيارة أبدًا، وهو نفس المبدأ الذي ينطبق على البيانات التي يملكها المستخدم حتى لو كانت مخزنة على خادم مملوك لشركة تقنية كبرى.
وترى كازلاوسكاس أن دفع مبالغ مالية للأشخاص مقابل استخدام بياناتهم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي سيغير شكل النقاش الدائر حول هذه التقنية مستقبليًا، حيث يمكن للمستخدمين أن يجنوا فوائد مادية مباشرة مقابل مساهماتهم الرقمية. وتعمل منصات مثل “فانا” على تسهيل هذه العملية وضمان وصول البيانات إلى المطورين بطريقة قانونية وعادلة تضمن حقوق الطرفين.
خرائط فائقة الدقة بجيوش من الطائرات المسيرة
يمثل قطاع الخرائط والبيانات الجغرافية السوق الثاني الضخم في هذا التحول التقني، حيث يحتاج الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي إلى معلومات مكانية دقيقة للغاية لاتخاذ القرارات. هذه الدقة ضرورية لعمل الروبوتات التي تتنقل داخل المدن المزدحمة، ولتطوير المركبات ذاتية القيادة، فضلًا عن تعزيز تطبيقات الواقع المعزز التي تتطلب تطابقًا تامًا مع الواقع المادي.
وفي هذا السياق، تبرز شركة “سبكسي” التي بدأت ببناء أكبر تدفق للبيانات الجغرافية عبر جيش من العمال المستقلين والطائرات المسيرة، وتعتمد الشركة على استراتيجية طموحة تشمل النماذج التالية:
- توظيف أكثر من 10 آلاف طيار طائرات مسيرة مستقل لتنفيذ مهام تصوير موحدة.
- إجراء عمليات المسح الجوي على ارتفاع ثابت يقدر بنحو 80 متراً لضمان الجودة.
- تغطية مساحات هائلة وصلت إلى 6 ملايين فدان في 300 مدينة بأمريكا الشمالية.
- توفير بيانات مكانية دقيقة تتفوق بمراحل تقنية على ما توفره الأقمار الصناعية حاليًا.
ويشير بيل ليكلاند، الرئيس التنفيذي لشركة “سبكسي”، إلى أن الشركة نجحت خلال 18 شهرًا فقط في تحقيق قفزة نوعية في دقة الخرائط الرقمية. فبينما توفر الأقمار الصناعية صورًا عامة، تمنح الطائرات المسيرة تفاصيل دقيقة تسمح للذكاء الاصطناعي بفهم البيئة المحيطة به بشكل أعمق، مما يمهد الطريق لابتكارات جديدة في مجال النقل والخدمات اللوجستية.
ورغم وفرة البيانات في بعض الأحيان، إلا أنها تظل “محاصرة” داخل المؤسسات الكبرى، حيث تجمع الفرق المختلفة بياناتها في جزر منعزلة يصعب الوصول إليها. يتطلب نقل هذه البيانات بين الأقسام إجراءات إدارية معقدة تعيق تطور الأنظمة، في حين أن الذكاء الاصطناعي يحتاج فعليًا للوصول إلى كافة المعلومات المتاحة في جميع أنحاء المؤسسة ليعمل بكفاءة تامة ويقدم نتائج حقيقية وملموسة.


تعليقات