مهمة أرتميس 2 تكشف حقائق علمية تنهي أسطورة الجانب المظلم من القمر تماماً
تخطو البشرية خطوات واسعة في استكشاف الفضاء مع اقتراب مهمة “أرتميس 2” التاريخية، حيث يستعد رواد الفضاء لمشاهدة مناظر خلابة وتفاصيل دقيقة للجانب البعيد من القمر لم يسبق للبشر رؤيتها بهذا الوضوح من قبل. هذا الحدث العلمي يسلط الضوء مجددًا على واحد من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا في علم الفلك، وهو ما يطلق عليه الكثيرون خطأً اسم “الجانب المظلم” للقمر، وهو وصف غير دقيق علميًا بالمرة.
يرتبط القمر بكوكبنا الأرضي من خلال ظاهرة ميكانيكية تُعرف باسم “الارتباط المدّي”، وهي الظاهرة المسؤولة عن جعل القمر يعرض لنا نفس الوجه دائمًا تقريبًا. وعلى عكس الاعتقاد السائد بأن القمر لا يدور حول نفسه، فإنه يدور بالفعل حول محوره، لكن هذه الدورة تستغرق نحو 29 يومًا، وهي المدة ذاتها التي يستغرقها للدوران حول الأرض، مما يفسر ثبات الوجه الذي نراه باستمرار وفقًا لما نشره موقع iflscience العلمي المتخصص.
لماذا نرى وجهًا واحدًا للقمر وماذا يخفي الجانب الآخر؟
رغم وجود هذا التزامن المستمر بين حركتي الأرض والقمر، إلا أن مدار القمر ليس دائريًا بشكل مثالي بل يتخذ شكلًا بيضاويًا. هذا المسار البيضاوي يمنحنا فرصة فريدة لرؤية ما هو أكثر من مجرد نصف سطحه بمرور الوقت، حيث تنكشف حواف إضافية بشكل دوري. أما النصف الآخر الذي ظل لغزًا مجهولًا لقرون طويلة، فلم يتمكن البشر من اكتشاف تفاصيله بوضوح إلا بعد إرسال المركبات الفضائية المتطورة إلى مدارات قمرية بعيدة.
تشير البيانات العلمية الحديثة إلى وجود اختلافات جذرية وجوهرية بين جانبي القمر، حيث يمكن تلخيص أبرز الفوارق المكتشفة في النقاط التالية:
- يتميز الجانب القريب من الأرض بوجود سهول بازلتية شاسعة يطلق عليها العلماء اسم “بحار القمر”.
- يغلب على الجانب البعيد انتشار كثيف للفوهات الناتجة عن اصطدامات نيزكية قديمة وعنيفة.
- توجد فروق هيكلية عميقة تمتد من السطح وصولًا إلى قلب وباطن القمر نفسه.
- يُعد الجانب المواجه للأرض أكثر دفئًا ونشاطًا جيولوجيًا بشكل ملحوظ مقارنة بالطرف الآخر.
أسرار التكوين الجيولوجي وفك لغز الجانب المظلم
يوضح عالم الكواكب الدكتور رايان بارك أن الدراسات والأبحاث الحديثة أكدت أن باطن القمر غير متجانس على الإطلاق. ويرتبط هذا التباين الشديد وتفوق النشاط الجيولوجي في الجانب القريب بتاريخ القمر البركاني القديم، وهو ما يقدم تفسيرًا منطقيًا للاختلاف الواضح في التضاريس والخصائص الحرارية بين الجانبين المواجه والبعيد، مما يجعل لكل جانب شخصية كيميائية وفيزيائية مستقلة.
أما فيما يخص مصطلح “الجانب المظلم”، فهو في الواقع توصيف متغير وليس حالة ثابتة كما يتصور البعض. فالقمر يمر بدورات ليلية ونهارية تمامًا مثل كوكب الأرض، ويكون نصفه مظلمًا تمامًا في أي لحظة زمنية معينة. وبسبب طول الدورة القمرية، قد يستمر الليل القمري في منطقة واحدة لأكثر من 14 يومًا متواصلة، مما يعني أن الظلام ينتقل من جانب لآخر باستمرار.
فعلى سبيل المثال، عندما نرى القمر في مرحلة “البدر” (مكتملًا)، يكون الجانب البعيد في حالة ظلام دامس. وفي المقابل خلال مرحلة “المحاق”، يصبح الجانب القريب الذي نراه هو المظلم بينما يتعرض الجانب البعيد لضوء الشمس الكامل. إن التمييز بين مصطلحي “الجانب البعيد” و”الجانب المظلم” هو ضرورة علمية تعكس فهمًا دقيقًا لحركة الأجرام السماوية، في وقت تفتح فيه الاكتشافات الجديدة آفاقًا مذهلة لفهم طبيعة جارنا الأقرب.


تعليقات