توقعات حكومية بنمو الطلب على الكهرباء في الشرق الأوسط بمعدل 3.6% حتى 2035
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، عددًا جديدًا من مجلة “آفاق الطاقة”، وهي مجلة علمية نصف سنوية محكمة، تسلط الضوء على الأهمية القصوى التي يحتلها قطاع الطاقة في الأجندة التنموية الوطنية والدولية، خاصة في ظل الأزمات العالمية الحالية والاضطرابات المستمرة في الأسواق الدولية.
ويهدف الإصدار الجديد إلى تقديم رؤية تحليلية شاملة لضمان أمن الطاقة وتوفير الاحتياجات الأساسية للدول، حيث يمثل هذا القطاع الركيزة الأساسية لأية تنمية اقتصادية في مجالات الصناعة والزراعة والنقل، مما يفرض ضرورة ملحة لإعادة التفكير في مستقبل الكهرباء بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لمواجهة النمو السكاني المتزايد والضغوط المناخية المتصاعدة.
مستقبل الكهرباء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
أشار تقرير الوكالة الدولية للطاقة لعام 2025 إلى أن المنطقة شكلت تاريخيًا حجر الزاوية لأسواق الطاقة العالمية، حيث تنتج وحدها ثلث إنتاج النفط العالمي وخمس إنتاج الغاز الطبيعي، وهو ما يمثل حوالي 50% من تجارة النفط العالمية و15% من الغاز المتداول دوليًا بصورة مستمرة.
وأوضح التقرير أن موازين الطاقة في المنطقة لا يمكن حصرها في تصدير الوقود الأحفوري فقط، إذ يدفع النمو الديموغرافي والاقتصادي السريع نحو ارتفاع حاد في الاستهلاك المحلي، وتزداد هذه الضغوط مع تفاقم آثار تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، مما يرفع الطلب على نظم التبريد وتحلية المياه بشكل غير مسبوق.
ووفقًا للبيانات، فقد تضاعف إجمالي الطلب على الطاقة في المنطقة أكثر من مرتين خلال العقدين الماضيين، بمعدل نمو سنوي بلغ 3.7%، وهو ما يعادل ضعف المعدل العالمي، بينما لا يزال الوقود الأحفوري يهيمن على 95% من مزيج الطاقة، حيث يمثل الغاز الطبيعي 55% والنفط 40%، بينما الفحم لا يتجاوز 1% فقط.
تطور استهلاك الكهرباء والنمو القطاعي
شهد قطاع الكهرباء تحولًا جذريًا، حيث كان المحرك الرئيس لنمو الطاقة الإجمالي بنسبة بلغت 40% خلال العقدين الأخيرين، وساهم استخدام الوقود الأحفوري في توليد الكهرباء بزيادة كبيرة في الطلب على الغاز الطبيعي والفحم، بينما جاءت الزيادة في استخدام الطاقة النووية بالكامل من خلال هذا القطاع الحيوي.
وتضاعف الطلب على الكهرباء في المنطقة ثلاث مرات منذ عام 2000 ليصل إلى 1440 تيراواط/ساعة في عام 2023، واستحوذت أربع دول وهي السعودية وإيران ومصر والإمارات على نحو 70% من إجمالي هذه الزيادة، بينما تتقاسم بقية دول المنطقة النسبة المتبقية من الاستهلاك الكلي بشكل متفاوت.
أما على صعيد توزيع الاستهلاك، فقد استحوذ قطاع المباني على ثلثي الطلب في عام 2023، مدفوعًا بأنظمة التبريد التي تشكل وحدها 23% من الطلب، ورغم أن مراكز البيانات تستهلك حاليًا أقل من 1%، فمن المتوقع نموها بقوة مستقبلاً مع توسع خدمات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية في دول الخليج العربي.
محاور تصميم أنظمة الطاقة المستقبلية
حددت الوكالة الدولية للطاقة تسعة محاور رئيسة لتصميم أنظمة الكهرباء المستقبلية في المنطقة، تهدف إلى تحقيق التوازن بين الموثوقية والتكلفة وخفض الانبعاثات، وتتمثل هذه المحاور في النقاط التالية:
- مرونة النظام وتكامل الطاقة المتجددة من خلال تطوير الشبكات وزيادة حلول التخزين المتطورة.
- التعامل مع التبريد كمحرك رئيس للطلب، واستغلال توافق ذروة استهلاكه مع ذروة إنتاج الطاقة الشمسية.
- تحسين كفاءة الطاقة في المباني، وهو ما قد يوفر نحو 230 تيراواط/ساعة حتى عام 2035.
- التوسع في تحلية المياه باستخدام تقنيات الترشيح العكسي الأقل استهلاكًا للطاقة الكهربائية.
- تعزيز الترابط الكهربائي الإقليمي من خلال “سوق الكهرباء العربية المشتركة” لتوفير تكاليف استثمارية ضخمة.
- تسريع سياسات الطاقة المتجددة للوصول إلى قدرة مركبة تبلغ 200 جيجاواط بحلول عام 2030.
- زيادة الاستثمار في الطاقة النظيفة لتعزيز الأمن الطاقي ودعم النمو الاقتصادي المستدام والاجتماعي.
- اعتماد الطاقة الموزعة في الدول المتأثرة بالنزاعات كحلول مرنة تشمل الألواح الشمسية والبطاريات.
- قياس أثر التوسع في الطاقة المتجددة على زيادة قدرات تصدير النفط والغاز للدول المنتجة وتوفير عوائد مالية.
توقعات الطلب حتى عام 2035
من المتوقع أن ينمو الطلب على الكهرباء بمعدل سنوي قدره 3.6% حتى عام 2035، مدفوعًا بالنمو السكاني والنشاط الاقتصادي، وسوف يسهم قطاع المباني بنحو 70% من هذه الزيادة، بينما يُتوقع أن يسجل قطاع النقل أسرع معدل نمو سنوي يتجاوز 20% نتيجة التحول نحو المركبات الكهربائية.
وتشير التقديرات إلى تحول هيكلي في مزيج التوليد، حيث ستتراجع حصة الوقود الأحفوري من 90% حاليًا إلى 75% عام 2035، وفي المقابل ستنمو حصة الطاقة منخفضة الانبعاثات لتصل إلى 25%، مع توقعات بزيادة إنتاج الطاقة الشمسية الكهروضوئية بمقدار 15 ضعفًا لتغطي نصف النمو المطلوب في الطلب.
وفي الختام، أكد التقرير أن المنطقة تقف أمام مرحلة مفصلية تتطلب استراتيجيات متكاملة لتنويع مزيج الطاقة، واستغلال الإمكانات الضخمة في الطاقة الشمسية والرياح، مما يمنح دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فرصة فريدة لتصبح نموذجًا عالميًا في إدارة التحول الطاقي بنجاح، وتحقيق التوازن بين التنمية والاستدامة البيئية.


تعليقات