دراسة حديثة: فوهات القمر المظلمة تخفي كميات ضخمة من جليد الماء

دراسة حديثة: فوهات القمر المظلمة تخفي كميات ضخمة من جليد الماء

في تطور علمي جديد يسلط الضوء على أسرار قمرنا، كشفت دراسة حديثة عن فهم أعمق لمصدر وتوزيع الجليد المائي على سطح القمر. تبين أن هذا المخزون الثمين، الذي يُعتقد أنه يختبئ في الفوهات المظللة بالقطب الجنوبي، قد وصل إلى سطحه تدريجيًا عبر الزمن، بدلًا من أن يكون نتيجة لحدث كارثي واحد.

ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل طبيعة الظل الدائم في هذه الفوهات. فقد أوضحت الدراسة أن فكرة “الظل الدائم” لم تكن دقيقة تمامًا، حيث أن التغير المستمر في ميل محور القمر بالنسبة للأرض والشمس على مدى مليارات السنين قد أحدث تغييرات في زوايا الإضاءة. هذا يعني أن الفوهات التي كانت باردة ومظللة بشكل كافٍ لاحتواء الجليد المائي قبل حوالي 3 مليارات سنة، قد لا تكون كذلك حاليًا، والعكس صحيح.

تاريخ اكتشاف الجليد المائي على القمر

تعود الفكرة الأولى لوجود جليد مائي على القمر إلى ستينيات القرن الماضي، حيث طرح بعض علماء الكواكب فرضية مفادها أن الفوهات الواقعة في القطب الجنوبي للقمر، والتي تتميز بزاوية سقوط شمس ضحلة تضمن بقاء أجزاء من داخلها في ظلام دائم، قد تكون باردة بما يكفي لتخزين الجليد. إلا أن مفاجأة كبرى حدثت عندما أعادت بعثات أبولو عينات من سطح القمر بين عامي 1969 و1972؛ فقد وجد العلماء أن تربة القمر كانت جافة بشكل ملحوظ.

لكن الاحتمالات تغيرت جذريًا في عام 1994، عندما أشارت قراءات رادار تابعة لناسا عبر مهمة كليمنتين إلى وجود جليد مائي. وتم تأكيد هذا الاكتشاف لاحقًا من خلال بعثات فضائية أخرى، مثل مركبة استكشاف القمر (Lunar Prospector) ومركبة استطلاع القمر المدارية (LRO)، مما أثار تساؤلات جديدة حول مصدر هذا الجليد وكيفية وصوله.

فهم جديد لطبيعة الفوهات القمرية

تأتي الدراسة الحديثة، التي أجراها علماء كواكب مرموقون من جامعتي كولورادو وأريزونا، لتقدم تفسيرًا جديدًا لهذه المفارقات. فقد توصل الباحثون إلى أن المناطق التي كنا نظن أنها مظلمة بشكل دائم ليست كذلك بالفعل، وهذا يفسر جزئيًا النتائج السابقة. ومع ذلك، أكدت الدراسة وجود بعض الفوهات التي ظلت في ظلام دامس منذ فترة طويلة جدًا، مما يجعلها مرشحة قوية لاحتواء كميات كبيرة من المياه.

ويكمن السبب في هذه الظاهرة في تغير ميل محور القمر عبر العصور، مما أثر على زاوية تعرض الفوهات لأشعة الشمس. الفوهات التي كانت في ظلال عميقة قبل ملايين السنين، ربما شهدت تعرضًا للشمس في أوقات أخرى، والعكس صحيح. هذه الديناميكية الزمنية هي التي تفسر وجود الجليد المائي وصعوبة اكتشافه في البداية.

الاستفادة المستقبلية من الجليد المائي القمري

لا يقتصر الاهتمام بالجليد المائي على القمر على الفضول العلمي البحت، بل يمتد إلى تطبيقات عملية بالغة الأهمية. إن وجود هذا المورد على سطح القمر سيكون ذا قيمة استثنائية لرواد الفضاء الذين يخططون لتأسيس قواعد فضائية مستقبلية. يمكن استخدام الماء بشكل مباشر للشرب، أو يمكن تحليله إلى مكوناته الأساسية: الهيدروجين والأكسجين.

ومعنى ذلك أن الهيدروجين والأكسجين يمكن استخدامهما لتوليد وقود الصواريخ اللازم للرحلات الفضائية، بالإضافة إلى توفير هواء يمكن لرواد الفضاء التنفس فيه. بهذه الطريقة، يمثل اكتشاف الجليد المائي وتوزيعاته خطوة هامة نحو تحقيق الاستدامة في استكشاف الفضاء وجعل الوجود البشري على القمر أكثر واقعية.

عبد الرحمن لبيب كاتب تقني يتابع أخبار التكنولوجيا والتطبيقات الحديثة، ويقدم محتوى مبسطًا يعتمد على مصادر موثوقة.