الإفراط في استخدام الجوال يضر هرمونات المرأة أكثر من الرجل.. الأسباب وراء ذلك
في عصر التكنولوجيا المتسارع، أصبح قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات الرقمية، مثل الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة والأجهزة اللوحية، جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. ورغم أن هذه الأجهزة تسهل العديد من جوانب حياتنا، إلا أن هناك أدلة علمية متزايدة تشير إلى أن الإفراط في استخدامها قد يؤثر سلبًا على توازننا الهرموني، حسبما أورد تقرير موقع “Onlymyhealth”.
تُعد الهرمونات بمثابة رسائل كيميائية حيوية تتحكم في وظائف الجسم الأساسية، بدءًا من دورات النوم والشهية، مرورًا بتنظيم المزاج، وصولًا إلى عمليات الأيض. وعندما تتعطل هذه الإشارات الهرمونية الدقيقة، قد نواجه مشكلات صحية متنوعة، تشمل اضطرابات النوم، وتقلبات المزاج الحادة، وزيادة الوزن غير المبررة، بالإضافة إلى اضطرابات الدورة الشهرية لدى النساء.
كيف يؤثر استخدام الشاشات المفرط على هرموناتنا؟
إن التعرض المستمر للأجهزة الرقمية، خاصة دون فترات راحة كافية، يمكن أن يخل بالتوازن الطبيعي للساعة البيولوجية للجسم. هذه الساعة الداخلية تنظم دورات النوم والاستيقاظ، وتتحكم في إفراز العديد من الهرمونات الهامة. وقد أظهرت دراسات عدة أن التعرض للضوء الساطع، خصوصًا في ساعات الليل المتأخرة، يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في مستويات الميلاتونين، وهو هرمون النوم الرئيسي، بما يصل إلى 40%، بالإضافة إلى حدوث تغيرات ملحوظة في أنماط إفراز الكورتيزول، هرمون التوتر. وتؤكد هذه النتائج كيف يمكن للضوء، حتى لفترات قصيرة، أن يؤثر بشكل مباشر على الهرمونات التي تنظم ساعتنا البيولوجية، وقد يحتاج الجسم وقتًا أطول للتعافي من هذا الاضطراب.
الضوء الأزرق: المتهم الرئيسي في اضطراب الهرمونات
تتأثر الساعة البيولوجية بشكل كبير بالضوء، وبشكل خاص بالضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. فعند التعرض لهذا النوع من الضوء، يتلقى الدماغ إشارات تشبه تلك التي يتلقاها في وضح النهار، حتى لو كان الوقت ليلاً. هذا التشويش يؤدي إلى اضطراب في التواصل الحيوي بين الدماغ والجهاز الغدد الصماء، المسؤول عن إنتاج وتنظيم الهرمونات. ويتداخل الضوء الأزرق مع هذه الإشارات، مما يؤثر على جودة نومنا، وقدرتنا على التحكم في الشهية، واستجاباتنا للضغوطات اليومية. ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا التداخل المستمر إلى اختلال شامل في توازن الجسم.
الهرمونات الأكثر تأثراً بوضوح
هناك عدد من الهرمونات التي تلعب دوراً محورياً في صحتنا وتتأثر بشكل مباشر بالإفراط في استخدام الشاشات:
الميلاتونين: هرمون النوم
يُعد الميلاتونين من الهرمونات التي تتأثر بشكل مباشر بالضوء الأزرق. فهو يُفرز طبيعيًا مع حلول الظلام، ليُنبّه الجسم إلى استعداداته للنوم. إلا أن التعرض للشاشات، خاصة في المساء، يعمل على تثبيط إنتاج الميلاتونين. وعندما تنخفض مستوياته، يجد الكثيرون صعوبة في الخلود إلى النوم، أو قد يستيقظون بشكل متكرر أثناء الليل، أو يشعرون بالإرهاق حتى بعد قضاء ساعات في السرير. وغالبًا ما تؤدي اضطرابات النوم هذه إلى الشعور بالخمول أثناء النهار، وضعف التركيز، وسرعة الانفعال. وعلى المدى الطويل، قد تضعف المناعة وتزيد من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة.
الكورتيزول: هرمون التوتر
يلعب الكورتيزول دورًا حيويًا في تنظيم استجابات الجسم للتوتر وإدارة مستويات الطاقة. عادةً ما ترتفع مستوياته في الصباح لمعاونة الجسم على الاستيقاظ، ثم تنخفض ليلاً لدعم الاسترخاء. لكن الاستخدام المطول للشاشات، خاصة أثناء أداء مهام تتطلب تركيزًا عاليًا أو خلال تصفح وسائل التواصل الاجتماعي، قد يُبقي مستويات الكورتيزول مرتفعة باستمرار. وهذا بدوره يمكن أن يساهم في الشعور بالقلق، وتقلبات المزاج، والإرهاق المستمر.
الأنسولين: الهرمون الأيضي
غالبًا ما يرتبط استخدام الشاشات بأنماط حياة خاملة، مثل الجلوس لساعات طويلة وتناول الوجبات الخفيفة أثناء المشاهدة. هذه العادات يمكن أن تؤثر سلبًا على مستويات الأنسولين، وتزيد من خطر الإصابة بمقاومة الأنسولين، وهي حالة ترتبط بشكل وثيق بزيادة الوزن، والإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، واضطرابات في عملية الأيض. وتزداد هذه المخاطر سوءًا عندما تقترن بنقص النوم.
الهرمونات التناسلية عند النساء
قد يمتد تأثير اختلال التوازن الهرموني إلى الهرمونات التناسلية لدى النساء، مثل الإستروجين والبروجسترون. وقد أشارت دراسات إلى أن اضطراب النوم وعدم انتظام الإيقاعات اليومية يمكن أن يؤثر على المحور الوطائي-النخامي-التناسلي (HPG)، وهو النظام المسؤول عن تنظيم هذه الهرمونات. وعندما تتعطل أنماط النوم بشكل متكرر، غالبًا بسبب التعرض للشاشات في وقت متأخر من الليل، قد يختل تزامن الإشارات الهرمونية، مما يؤثر على انتظام الدورة الشهرية، وعملية الإباضة، وربما الخصوبة. وقد تعاني النساء المصابات بحالات هرمونية مثل متلازمة تكيس المبايض من تفاقم أعراضهن.
تشمل الآثار المحتملة على النساء ما يلي:
- عدم انتظام الدورة الشهرية.
- زيادة الشعور بالتعب.
- صعوبة التحكم في الوزن.
- انخفاض الخصوبة في بعض الحالات.
هل يختلف التأثير بين الرجال والنساء؟
تشير بعض الدراسات، مثل دراسة أجرتها جامعة ساوثهامبتون، إلى أن النساء قد يكنّ أكثر حساسية للاضطرابات الهرمونية الناتجة عن اضطرابات النوم وإيقاعات الساعة البيولوجية مقارنة بالرجال. ويرجع ذلك غالبًا إلى التغيرات الهرمونية الطبيعية التي تحدث لديهن خلال الدورة الشهرية. بينما قد يظهر الرجال أنماطًا هرمونية أكثر استقرارًا. ومع ذلك، فإن الإفراط في استخدام الشاشات، خصوصًا في الليل، يؤثر على كلا الجنسين بعملية اضطراب إيقاعات الساعة البيولوجية وهرمونات النوم. وقد تشعر النساء أحيانًا بتأثيرات أقوى، مثل التعب الملحوظ، وتقلبات المزاج، أو تفاقم اضطرابات النوم خلال فترات معينة من دورتهن الشهرية.
متى يجب استشارة الطبيب؟
في حين أن الشعور العرضي بالتعب أو قلة النوم قد لا يتطلب بالضرورة عناية طبية فورية، إلا أنه لا ينبغي تجاهل الأعراض المستمرة. يجب مراجعة الطبيب المختص في الحالات التالية:
- اضطرابات النوم المستمرة والشديدة.
- عدم انتظام الدورة الشهرية بشكل ملحوظ.
- تفاقم أعراض متلازمة تكيس المبايض.
- الشعور بالتعب المزمن والإرهاق المستمر.
- تغيرات ملحوظة ومستمرة في المزاج.
- زيادة الوزن غير المبررة والتي لا يمكن تفسيرها.
قد تشير هذه الأعراض إلى وجود خلل هرموني كامن أو حالات صحية أخرى تتطلب تقييمًا طبيًا متخصصًا لتحديد السبب ووضع خطة علاج مناسبة.
نصائح لتقليل التأثير الهرموني لاستخدام الشاشات
لحسن الحظ، يمكن اتخاذ خطوات عملية لتقليل الآثار السلبية المترتبة على استخدام الشاشات على التوازن الهرموني:
- تجنب استخدام الشاشات لمدة ساعة إلى ساعتين على الأقل قبل موعد النوم. هذا يساعد على دعم إفراز هرمون الميلاتونين بشكل طبيعي، مما يمهد للنوم الهادئ.
- الحفاظ على جدول نوم واستيقاظ منتظم، حيث يساعد النوم والاستيقاظ في نفس الوقت يوميًا على استقرار الإيقاع اليومي للجسم.
- الاستفادة من ميزات مثل “الوضع الليلي” أو “مرشحات الضوء الأزرق” المتوفرة في معظم الأجهزة. هذه الإعدادات يمكن أن تقلل من التأثيرات المزعجة للضوء الأزرق.
- ممارسة التمارين الرياضية بانتظام. النشاط البدني المنتظم يساهم في تحقيق التوازن الهرموني وتحسين جودة النوم بشكل عام.
- زيادة التعرض لضوء الشمس الطبيعي خلال ساعات النهار. يساعد ضوء الشمس على تنظيم الإيقاعات اليومية ودعم الصحة الهرمونية بشكل فعال.
يعتمد العلاج غالبًا على تعديلات نمط الحياة، ولكن في بعض الحالات قد تكون هناك حاجة لتدخل طبي لمعالجة الاختلالات الهرمونية الكامنة.


تعليقات