الذكاء الاصطناعي يزيد تكاليف الرعاية الصحية وسط تضارب الوعود
كانت التوقعات عالية عند انطلاق برامج الدردشة الآلية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي. روجت لها كبرى شركات التكنولوجيا، وخبراء التأمين، ومديرو الرعاية الصحية كحل سحري لخفض تكاليف العلاج على المرضى. بل إن ماريو شلوسر، الرئيس التنفيذي لشركة التأمين الصحي أوسكار هيلث، صرح رسميًا بأن الذكاء الاصطناعي هو السبيل الوحيد لخفض تكلفة زيارة الطبيب في الولايات المتحدة خلال السنوات القليلة القادمة. كما أشار تقرير مهم من شركة ماكينزي في عام 2024 إلى إمكانية تحقيق وفورات ضخمة تصل إلى 360 مليار دولار سنويًا بفضل هذه التقنية.
لكن الواقع الفعلي الذي نعيشه اليوم يكشف عن قصة مختلفة تمامًا، بل ومعاكسة لتلك التوقعات الوردية. المعطيات الحديثة تشير إلى اتجاه مغاير، حيث أصبح ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية نتيجة مباشرة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي: صدمة الواقع الصحي
وفقًا لمجلة “ستات” المتخصصة في القطاع الصحي، يتفق مديرو المستشفيات وشركات التأمين الصحي على أن أدوات الذكاء الاصطناعي ساهمت بشكل فعلي في زيادة تكاليف الرعاية الصحية. وتتمحور الإشكالية الأساسية حول أدوات “المدونين” الذين يعملون بالذكاء الاصطناعي. هذه الأدوات، رغم قدرتها على تحويل المحادثات بين الطبيب والمريض إلى ملاحظات سريرية، إلا أنها لم تحقق الوفورات المالية الشاملة المتوقعة، كما يؤكد خبراء القطاع.
التوثيق الطبي الدقيق: فاتورة أعلى
تؤكد كارولين بيرسون، المديرة التنفيذية لمعهد بيترسون لتكنولوجيا الصحة، أن أنظمة الكتابة الصوتية المحيطية أصبحت تمثل مشكلة حقيقية. لطالما كان الأطباء يلجأون سابقًا إلى اختصار التوثيق الطبي بملخصات موجزة، مما كان يؤدي إلى تصنيف بعض الزيارات كحالات بسيطة حتى لو كانت معقدة. أما مع استخدام الذكاء الاصطناعي في تسجيل أدق التفاصيل، فقد أصبحت العديد من الزيارات تصنف ضمن مستويات أعلى من التعقيد، وهذا بدوره يرفع قيمة الفواتير الطبية بشكل ملحوظ.
زيادة حجم المرضى: حافز لإعادة الترميز
يرتبط السبب الثاني لارتفاع التكاليف بالأنظمة التي تنبه الأطباء باستمرار لإضافة التشخيصات التي تمت مناقشتها ولم تسجل. يشرح بوبى دوبرى، كبير مسؤولي المعلومات الطبية في شركة FMOL Health، أن هذه الأدوات تقترح إضافة التشخيصات مباشرة أثناء العمل، مما يشجع على تسجيل مزيد من التفاصيل. أما السبب الثالث فهو زيادة عدد المرضى. فبفضل تقليل الوقت المستغرق في التوثيق، أصبح بإمكان الأطباء استقبال عدد أكبر من الزيارات. وقد ارتفع عدد المرضى بنسبة 22% لدى الأطباء الذين يستخدمون هذه الأنظمة، مما أدى إلى زيادة الإيرادات المباشرة.
تأثير متراكم يعيد تشكيل منظومة الرعاية الصحية
تتجمع هذه العوامل المختلفة لتشكل نظامًا جديدًا أدى إلى نتيجة معاكسة لما كان متوقعًا. فالأدوات التي كان يفترض أن تخفض التكلفة أصبحت تساهم في زيادتها. هذا الوضع يعكس التوتر المستمر بين نموذج الرعاية الصحية القائم على الربح وبين الحاجة الأساسية لتقديم خدمات صحية ميسورة التكلفة للجميع. ويبقى الجدل مستمرًا حول القدرة الحقيقية للتكنولوجيا على تحقيق التوازن المطلوب بين هذه الأهداف المتعارضة.


تعليقات