تقييد السعرات الحرارية يبطئ شيخوخة الجسم ويعزز المناعة

تقييد السعرات الحرارية يبطئ شيخوخة الجسم ويعزز المناعة

كشف فريق من الباحثين في جامعة ييل الأمريكية عن اكتشاف علمي واعد يعلق بآمال كبيرة على مستقبل مكافحة آثار التقدم في العمر. فقد توصلت الدراسة إلى أن تقليل السعرات الحرارية بشكل معتدل، بنسبة تصل إلى 14%، ولمدة عامين متتاليين، يمكن أن يساهم في بناء دفاعات مناعية قوية لدى الأشخاص، مما يساعد بدوره على تأخير ظهور علامات الشيخوخة.

ويشير الموقع العلمي الموثوق “Medical xpress”، نقلاً عن منشور حديث في مجلة “Nature Aging” الرائدة، إلى أن الباحثين قد وجدوا في بروتين مناعي محدد، يُعرف باسم “المكون الثالث للمتممة” (C3)، مفتاحًا أساسيًا لهذه الظاهرة.

تفاصيل الدراسة التجريبية

شملت هذه الدراسة المبتكرة تحليل عينات البلازما لمجموعة مكونة من 42 مشاركًا، والذين انخرطوا في تجربة علمية دقيقة استمرت لمدة عامين، عُرفت باسم “التقييم الشامل للآثار طويلة المدى لتقليل تناول الطاقة” أو اختصارًا CALERIE. وتُعد هذه التجربة فريدة من نوعها نظرًا لدقتها العالية ومستوى التحكم الذي طبق فيها، مما يعزز من قيمتها وأهميتها في فهم آليات فسيولوجيا جسم الإنسان.

خلال فترة التجربة، تمكن المشاركون من خفض استهلاكهم اليومي من السعرات الحرارية بنسبة تتراوح بين 11% و 14%، وهو ما تم دون الشعور بأي قيود قاسية أو حرمان، مما يعكس إمكانية تطبيق هذا النهج بشكل عملي.

نتائج علمية مفصلة

قام الباحثون برصد وتحليل أكثر من 7000 بروتين مختلف في عينات البلازما التي تم جمعها من المشاركين على مدار فترة الدراسة. ومن بين هذه البروتينات، برز بروتين “C3” المناعي، حيث لاحظوا انخفاضًا ملحوظًا في مستوياته عقب الالتزام بنظام تقييد السعرات الحرارية.

حظي بروتين C3 باهتمام خاص من قبل المجتمع العلمي، حيث أشارت دراسات سابقة إلى أن تنشيط ما يُعرف بـ “نظام المتممة” – وهي مجموعة معقدة من البروتينات تعمل كخط دفاع ضد مسببات الأمراض – قد يؤدي إلى تحفيز الالتهاب المزمن. ويُعتبر هذا الالتهاب المزمن أحد السمات الأساسية لعملية الشيخوخة، كما أنه يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالعديد من الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر.

عند مقارنة مستويات بروتين C3 قبل وبعد عامين من تقييد السعرات الحرارية، حدد الباحثون أن الأنسجة الدهنية البيضاء، وهي النوع الرئيسي من الأنسجة الدهنية لدى الثدييات، كانت الموقع الأكثر تأثرًا بشكل إيجابي بهذا التغيير في النظام الغذائي.

ولتعزيز هذه النتائج، قام الباحثون بتأكيدها في تجارب على حيوانات التجارب. فقد لاحظوا، على غرار ما حدث في بلازما الدم البشرية، أن مستوى بروتين C3 يرتفع بشكل طبيعي مع تقدم العمر لدى الفئران. وأظهرت تحليلاتهم الإضافية أن النسيج الدهني الأبيض الحشوي هو المسؤول الرئيسي عن هذه الزيادة في بروتين C3 مع مرور الوقت.

في البداية، افترض الباحثون أن فقدان الأنسجة الدهنية أو انخفاض نسبة الدهون في الجسم نتيجة لفقدان الوزن قد يكون هو السبب وراء انخفاض إنتاج بروتين C3 وبالتالي إبطاء عملية الشيخوخة. وهذا منطقي، إذ أن معظم المشاركين في الدراسة فقدوا حوالي 8 كيلوغرامات خلال العامين.

لكن، المفاجأة كانت عند تحليل مؤشر كتلة الجسم لدى المشاركين؛ فلم يجد الباحثون أي ارتباط مباشر بين فقدان الوزن وانخفاض بروتينات نظام المتممة. هذا الاستنتاج يشير بقوة إلى أن لتقييد السعرات الحرارية تأثيرًا مفيدًا خاصًا بالأنسجة الدهنية، ويبدو أنه مستقل عن مجرد فقدان الوزن. وفي خطوة أخرى، وجد الباحثون أنه عند تثبيط تنشيط بروتين C3 باستخدام دواء يحاكي تأثير تقييد السعرات الحرارية، عانت الفئران من التهاب مرتبط بالعمر أقل.

الأهمية المستقبلية للدراسة

يكشف هذا الاكتشاف الهام عن مفهوم علمي قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى: فما قد يكون مفيدًا للغاية في المراحل المبكرة من الحياة، قد يتحول إلى ضرر في المراحل اللاحقة. هذه الفكرة ليست جديدة تمامًا، وتُعرف في الأوساط العلمية بـ “النظرية المتضادة للتطور” (Antagonistic Pleiotropy)، والتي طرحها عالم الأحياء الشهير بيتر ميداوار لأول مرة في عام 1952 لشرح آليات عملية الشيخوخة.

وتُعد هذه النظرية تفسيرًا شائعًا لبعض الظواهر البيولوجية، ومن أبرز الأمثلة عليها إنتاج هرمون النمو. فهو ضروري جدًا خلال مراحل النمو المبكرة، ولكنه قد يزيد في المقابل من خطر الإصابة بالسرطان في مراحل لاحقة من الحياة.

محمد فؤاد كاتب في قسم المنوعات، يقدم موضوعات متنوعة وترندات اجتماعية بأسلوب مبسط مع الالتزام بالدقة والمصداقية.