قالت الدكتورة حنان بلخي، المديرة الإقليمية لـ منظمة الصحة العالمية، على هامش انعقاد الدورة الـ79 لـ جمعية الصحة العالمية، تحت عنوان: «من الصدمة إلى القوة.. إعادة تصور المرونة الصحية في عصر الأزمات المتداخلة»، إن منطقة شرق المتوسط تواجه واقعًا يوميًا من الأزمات المتشابكة، ولم تعد الصدمة استثناءً بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية.
وأضافت أن المنطقة لم تعد تنتقل من أزمة إلى أخرى، بل تعيش أزمات متداخلة تشمل الصراعات والنزوح وتفشي الأوبئة والضغوط المناخية وعدم الاستقرار الاقتصادي، دون وجود نهاية واضحة في الأفق. وأكدت أن العديد من دول المنطقة لا تملك رفاهية التوقف لاستعادة التوازن، موضحة أن الأزمات تتوالى بوتيرة أسرع من قدرة الأنظمة الصحية على التعافي.
حنان بلخي: 14 حالة طوارئ صحية بالمنطقة بينها 7 أزمات من المستوى الأعلى
وأشارت إلى أن شرق المتوسط يتحمل ما يقارب نصف العبء الإنساني العالمي، موضحة أن المنظمة تدير 14 حالة طوارئ مصنفة، بينها 7 حالات من المستوى الأعلى، تشمل الحرب في غزة، والأزمة في السودان، إلى جانب أزمات ممتدة في اليمن والصومال وأفغانستان.
وأوضحت أن قطاع الصحة في المنطقة يتعرض لضغوط هائلة نتيجة النزاعات والهجرة والنزوح والإرهاق، لافتة إلى تزايد اضطرابات الصحة النفسية وتعاطي المخدرات بين السكان الذين يعيشون تحت ضغوط مستمرة. وأكدت أن برامج العمل الإنساني والتنمية والسلام لم تعد مراحل منفصلة، بل أصبحت واقعًا متزامنًا يفرض ضرورة تطوير أنظمة التمويل والحوكمة لتشمل هذه المحاور مجتمعة.
مديرة «الصحة العالمية»: الهجمات على القطاع الصحي أودت بحياة 1800 شخص خلال 2025
وشددت بلخي على أن المرونة الصحية تبدأ بالعاملين في القطاع الصحي، موضحة أن المنطقة تضم 16.5 ممرضة وقابلة فقط لكل 10 آلاف نسمة، وهو معدل يقل عن نصف المتوسط العالمي، مع توقعات بعجز يصل إلى 1.2 مليون ممرضة بحلول عام 2030. وأضافت أن العاملين في القطاع الصحي يواجهون تهديدات متزايدة، مشيرة إلى أن الهجمات على المنشآت الصحية في المنطقة تسببت خلال عام 2025 وحده في وفاة نحو 1800 شخص.
وقالت إن المنظمة جعلت تعزيز القوى العاملة الصحية أولوية إقليمية، من خلال دعم الدول في مجالات التخطيط الصحي، وإصلاح التعليم التمريضي، وتحسين بيئة العمل والاحتفاظ بالكوادر.
وفي ملف الصحة النفسية، أوضحت بلخي أن المنطقة تسجل ثاني أعلى معدل عالمي لاضطرابات الصحة النفسية، بينما لا تزال فجوات العلاج كبيرة في العديد من الدول، مؤكدة أن المنظمة تعمل على دمج خدمات الصحة النفسية ضمن الرعاية الصحية الأولية وتوسيع نطاق الدعم المجتمعي.
وأضافت أن الاستعداد لم يعد يعني بناء الأنظمة قبل وقوع الأزمة، بل أصبح يتطلب تقوية الأنظمة أثناء تعرضها للضغوط، مستشهدة بتجربة اليمن، حيث وسعت المنظمة أنظمة مراقبة الأمراض لتشمل أكثر من 2700 موقع رصد، ونشرت أكثر من 330 فريق استجابة سريعة.
وأشارت إلى أن الاستعداد يشمل أيضًا تخزين الإمدادات الطبية مسبقًا، موضحة أن المنظمة تمكنت من الاستجابة السريعة في لبنان بعد هجمات أجهزة النداء اللاسلكي، بفضل انتشار الإمدادات الطارئة داخل البلاد. وأكدت أن بناء أنظمة صحية مرنة يتطلب سلاسل إمداد أقوى، وهيئات تنظيمية أكثر كفاءة، وزيادة القدرة الإقليمية على إنتاج الأدوية واللقاحات، لافتة إلى أن مبادرة «تيسير الوصول إلى المنتجات الطبية» تعمل على تقوية الأنظمة التنظيمية وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد العالمية.
كما تحدثت عن استخدام الذكاء الاصطناعي في دعم عمليات الطوارئ، مشيرة إلى تطوير منصة «AIM» بالتعاون مع مركز منظمة الصحة العالمية للاستخبارات المتعلقة بالأوبئة والجوائح في برلين، والتي تساعد على تسريع تقييم المخاطر ووضع خطط الاستجابة.
وأضافت أن تمويل الصحة يمثل أحد أكبر التحديات، في ظل ارتفاع الإنفاق الصحي المباشر وتراجع المساعدات التنموية، مؤكدة أن المنظمة أنشأت فريق عمل إقليميًا لتمويل الصحة، ودعمت آليات مبتكرة تشمل التمويل الإسلامي مثل الزكاة والصكوك.
وأوضحت أن 8 دول في الإقليم حصلت على أكثر من 150 مليون دولار من صندوق مكافحة الأوبئة، لكنها شددت على أن الاستعداد لا يمكن أن يعتمد على التمويل المؤقت أو الاستجابة الطارئة فقط، بل يحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل.
واختتمت الدكتورة حنان بلخي تصريحاتها بالتأكيد على أن المرونة في منطقة شرق المتوسط تعني «بناء السفينة أثناء الإبحار وسط الفيضان»، مؤكدة أن دول المنطقة ما زالت تواصل البناء والتكيف رغم كل التحديات، داعية المجتمع الدولي إلى عدم تجاهل ما يحدث في المنطقة، لأن تداعيات الأزمات الصحية والنزوح واضطرابات سلاسل الإمداد تتجاوز الحدود الجغرافية.


تعليقات