عميد مسجد باريس الكبير: الأزهر منارة الإسلام والمرجعية الدينية للمسلمين

عميد مسجد باريس الكبير: الأزهر منارة الإسلام والمرجعية الدينية للمسلمين

أكد عميد مسجد باريس الكبير شمس الدين حفيظ، أن الأزهر الشريف يمثل منارة الإسلام والمرجعية الدينية الأولى في العالم الإسلامي.. مشددا على أن هذه المؤسسة العريقة بجامعتها الرائدة تجسد رمزا حقيقيا وحصنا علميا وروحيا جامعا للمسلمين.

وقال شمس الدين حفيظ، في حديث خاص لوكالة أنباء الشرق الأوسط، اليوم الثلاثاء، من داخل مسجد باريس الكبير، إنه سعى منذ توليه مهامه عام 2020 إلى تعزيز التواصل مع الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب؛ لتطوير برامج مشتركة تعنى بتكوين الأئمة وتأهيلهم داخل فرنسا وخارجها.

وكشف عن جهود جارية لإبرام اتفاقيات شراكة بين المدرسة الوطنية “ابن باديس” التابعة للمسجد والأزهر الشريف، تتيح تبادل الطلاب وإيفادهم للتكوين في القاهرة، إلى جانب استقبال علماء الأزهر في باريس للمشاركة في الأنشطة الدينية والعلمية.

وأشار عميد المسجد إلى أنه ناقش مع الإمام الأكبر الإشكاليات التي يواجهها المسلمون في فرنسا، خلال لقاء جمعهما بالبحرين عام 2022، حيث تم بحث سبل إيجاد حلول فقهية تراعي واقع المسلمين في الغرب دون المساس بأصول الدين.

وأضاف أن هذا المسار توج بإطلاق “ميثاق باريس” مرفقا بمعجم فقهي، نالا تزكية وملاحظات إيجابية من لجنة علمية مختصة بالأزهر الشريف أكدت اتساقهما مع أصول الشريعة، قبل إصدارهما رسميا في فبراير الماضي، على أن تعقبهما سلسلة من الندوات والملتقيات العلمية.

وفيما يتعلق بالدور الميداني على الساحة الفرنسية، أوضح حفيظ أن مسجد باريس الكبير يشرف على شبكة تضم نحو 400 مسجد في مختلف أنحاء فرنسا، ويعمل من خلال نقاشات مستمرة مع الأئمة على التوفيق بين ممارسة الشعائر الدينية ومتطلبات العيش في إطار دولة علمانية.

وأعلن في هذا الصدد عن إعداد “دليل فقهي” يوضح كيفية ممارسة العبادات والطهارة في بيئات العمل الحديثة، مؤكدا أن الهدف هو تكييف الخطاب الديني مع الواقع الفرنسي بما يتيح للمسلمين ممارسة دينهم مع احترام القوانين وتعزيز اندماجهم.

وعن المكانة التاريخية للمسجد، ذكر أن هذا الصرح يحتل مكانة فريدة ويتمتع بإشعاع دولي واسع، كما يحظى بأهمية بالغة لدى الجالية المسلمة في فرنسا.

وسلط الضوء على تاريخ نشأة المسجد، موضحا أنه يتمتع بخصوصية فريدة تجعله استثناء عالميا، إذ لم ينشأ بمبادرة من المسلمين أو نتيجة لهجرة جالياتهم، بل جاء ثمرة إرادة الدولة الفرنسية نفسها.

وأضاف أن قرار إنشاء المسجد يعود إلى أعقاب الحرب العالمية الأولى، حين سقط آلاف المسلمين القادمين من شمال وجنوب وصحراء إفريقيا شهداء في ميادين القتال دفاعا عن فرنسا، ما دفع السلطات إلى إنشاء مسجد في قلب العاصمة تكريما لتضحياتهم.

وأشار إلى أن اختيار موقع المسجد لم يكن عشوائيا، بل جاء في أحد أرقى أحياء باريس الثقافية والأكاديمية، بالقرب من البانتيون والسوربون، بما يعكس المكانة الرمزية التي أرادت الدولة الفرنسية منحها للإسلام والمسلمين.

كما أبرز حفيظ البعد القانوني لتاريخ المسجد، مذكرا بأن قانون 1905 الخاص بالعلمانية يحظر على الدولة الاعتراف بأي دين أو تمويله، غير أن البرلمان الفرنسي شكل استثناء عام 1920 بتخصيص 500 ألف فرنك لبنائه في سابقة تشريعية فريدة؛ ليكون هذا الصرح الذي افتتح عام 1926 رمزا دائما لوفاء فرنسا لتضحيات المسلمين الذين قاتلوا تحت رايتها.

وألقى الضوء على دور المسجد كمركز حضاري متعدد الأبعاد، يقدم خدمات دينية وإدارية، من بينها توثيق العقود الشرعية، فضلا عن أنشطته الثقافية والتعليمية، وفي مقدمتها تعليم اللغة العربية للأطفال عبر مدرسة متخصصة، بهدف تعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بهويتهم الثقافية والدينية.

واستعرض كذلك الدور الاجتماعي والصحي للمسجد، من خلال تنظيم حملات طبية مجانية للكشف المبكر عن أمراض القلب والأوعية الدموية وفحص البصر، معلنا عن الاستعداد للمشاركة في مبادرة “أكتوبر الوردي” للتوعية بسرطان الثدي.

وأكد أن مسجد باريس الكبير يضطلع كذلك بدور مهم في التعريف بتاريخ الحضارة الإسلامية وإسهاماتها، عبر برامج توعوية تسلط الضوء على مختلف مراحلها، من عصور الازدهار إلى مدارس الفقه والمذاهب الإسلامية.

وعلى الصعيد الثقافي، أوضح المسؤول الديني أن المسجد ينظم معارض متنوعة تستقطب زوارا مسلمين وغير مسلمين، من بينها المعرض الحالي عن الخيل العربي الأصيل، إلى جانب معارض سابقة تناولت ثقافات إسلامية مختلفة في عدة بلدان. وأبدى العميد رغبته في إقامة معرض مماثل عن مصر يسلط الضوء على حضارتها العريقة ومسيرة الإسلام فيها، لإتاحة الفرصة للجمهور الفرنسي للتعرف على تاريخ هذا البلد العظيم.

وفيما يتعلق بالحياة الاجتماعية، أشار إلى أن المسجد يحرص على إحياء المناسبات الدينية، مثل شهر رمضان المبارك وعيدي الفطر والأضحى، حيث تنظم فعاليات تجمع العائلات، وتقام صلاة التراويح وسائر الشعائر المرتبطة بهذه المناسبات.

وأثنى شمس الدين حفيظ على حرص الأسر المسلمة في فرنسا على تعليم أبنائها القرآن الكريم، مشيدا بنجاح مسابقات التلاوة التي ينظمها المسجد، لاسيما بمناسبة المولد النبوي الشريف، والتي أظهرت نماذج متميزة من الأطفال والشباب الحافظين لكتاب الله، لافتا في الوقت ذاته إلى إطلاق المسجد مسابقة دولية للتلاوة بمناسبة مئويته.

ووجه عميد مسجد باريس الكبير، في ختام حديثه لوكالة أنباء الشرق الأوسط، رسالة إلى المسلمين بمناسبة عيد الأضحى المبارك، دعاهم فيها إلى التمسك بقيم الوحدة والتضامن والأخوة، والعمل على النهوض بالأمة الإسلامية عبر إيلاء العلم والمعرفة مكانتهما اللائقة، مستحضرا الإسهامات التاريخية للعلماء المسلمين في الرياضيات والطب والفلك كابن سينا والبيروني وابن خلدون. واستشهد بالعبقرية الفكرية والإبداعية لمصر التي أنجبت قامات ألهمت العالم؛ في الأدب كطه حسين ونجيب محفوظ، وفي الفن كيوسف شاهين وأم كلثوم، مؤكدا أن السعي نحو العلم جزء أصيل من الدين الإسلامي الذي كانت أولى آياته “اقرأ”.

نقلاً عن موقع: اليوم السابع

محرر الأخبار العاجلة في موقع خليج فايف.