قال الدكتور محمد الجوهري، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز أكسفورد للدراسات والبحوث الاقتصادية، أن مشروع الدلتا الجديدة هو مشروع يعكس انتقال الدولة المصرية من فكرة استصلاح الأرض فقط إلى فكرة صناعة إقليم اقتصادي زراعي وعمراني جديد، موضحاً أن المشروع لا يستهدف زيادة المساحة المزروعة فحسب بل يهدف لإعادة توزيع السكان والإنتاج والاستثمار خارج الوادي الضيق والدلتا القديمة التي وصلت إلى حدودها القصوى من الضغط السكاني والعمراني والتلوث وتفتت الحيازات الزراعية.
كيف يغير مشروع “الدلتا الجديدة” الخريطة العمرانية والاقتصادية
وأكد الجوهرى، أن الأهمية الحقيقية للمشروع تبدأ من ملف الأمن الغذائي كون مصر دولة كبيرة سكانيا وتعتمد بدرجة مؤثرة على استيراد جزء مهم من احتياجاتها من القمح والزيوت والذرة والأعلاف ومع كل أزمة عالمية سواء حرب أو اضطراب في سلاسل الإمداد أو ارتفاع في أسعار الشحن والطاقة تظهر خطورة الاعتماد الزائد على الخارج لذلك تأتي الدلتا الجديدة كجزء من محاولة تقليل الفجوة الغذائية وزيادة الإنتاج المحلي من المحاصيل الاستراتيجية، وتابع:”لكن يجب أن نكون واضحين أن المشروع لن يحقق الاكتفاء الذاتي الكامل في وقت قصير ولن يلغي الاستيراد تماما لأن حجم الطلب المحلي كبير ومتصاعد ولكن قيمته الحقيقية أنه يقلل درجة الانكشاف على الخارج ويمنح الدولة هامشا أكبر في إدارة الأزمات الغذائية”.
ومن حيث الناحية الاقتصادية للمشروع، أكد الخبير الاقتصادى، أنه يمكن النظر إلى الدلتا الجديدة باعتبارها منصة إنتاج متكاملة وليست أرضا زراعية فقط فالأرض تحتاج إلى طرق ومياه وطاقة ومخازن وصوامع ومصانع تعبئة وتغليف وتصنيع غذائي وشبكات نقل وأسواق تصدير وهذا يعني أن المشروع يمكن أن يخلق سلسلة قيمة كاملة تبدأ من الزراعة وتنتهي بالمنتج النهائي سواء للسوق المحلي أو للتصدير، مضيفاً:”هنا يظهر البعد الأهم وهو أن نجاح المشروع لا يقاس بعدد الأفدنة المستصلحة فقط بل يقاس بقدرة هذه الأفدنة على إنتاج محاصيل ذات عائد اقتصادي مرتفع وبقدرة المشروع على جذب القطاع الخاص وبقدرة الدولة على تحويله إلى منطقة إنتاج مربحة ومستدامة لا مجرد توسع أفقي مكلف”.
شروع الدلتا الجديدة يعيد توزيع السكان والاستثمار خارج الوادي الضيق
وشدد الجوهرى، على أن الطموح الأكبر في المشروع يتمثل في خلق دلتا جديدة موازية للدلتا القديمة بمعنى إقامة مجتمعات عمرانية وإنتاجية جديدة قادرة على استيعاب العمالة وتخفيف الضغط عن القاهرة والجيزة والإسكندرية والدلتا التقليدية وهذا البعد شديد الأهمية لأن مشكلة مصر ليست فقط في نقص الأرض الزراعية بل في تركز السكان والأنشطة الاقتصادية في مساحة محدودة للغاية، ومع ذلك فإن المشروع يواجه صعوبات كبيرة أولها المياه فمصر تعاني من محدودية الموارد المائية وأي توسع زراعي ضخم يحتاج إلى إدارة دقيقة لكل متر مكعب من المياه لذلك لا يمكن نجاح المشروع بمنطق الزراعة التقليدية بل لا بد من الاعتماد على الري الحديث والمحاصيل الأقل استهلاكا للمياه وإعادة استخدام المياه المعالجة والتوسع في التكنولوجيا الزراعية.
وأشار الجوهرى، إلى أن التحدي الثاني يكمن فى تكلفة التنفيذ فاستصلاح الصحراء ليس مجرد حرث الأرض بل يحتاج إلى بنية تحتية باهظة التكلفة من طرق ومحطات كهرباء ومحطات معالجة وشبكات ري وتسوية تربة وخدمات لوجستية ومع ارتفاع تكلفة التمويل وسعر المعدات والطاقة تصبح الجدوى الاقتصادية للمشروع مرتبطة بمدى سرعة دخوله مرحلة الإنتاج الفعلي.
من الاستصلاح التقليدي إلى صناعة الأقاليم الاقتصادية
وتابع:”التحدي الثالث هو اختيار التركيب المحصولي فإذا تم استخدام الأرض في محاصيل تستهلك مياها كثيرة أو تحقق عائدا ضعيفا فسيضعف الأثر الاقتصادي للمشروع أما إذا تم توجيه جزء معتبر من الإنتاج نحو محاصيل استراتيجية ومحاصيل تصديرية وتصنيع غذائي فسيكون العائد أكبر على الاقتصاد وعلى العملة الأجنبية، ويكمن التحدي الرابع فى الإدارة والتشغيل لأن المشروعات الكبرى لا تنجح بالإنشاء فقط بل تنجح بالحكم الرشيد والإدارة الاقتصادية والانضباط في التشغيل والتسويق والصيانة لذلك يحتاج المشروع إلى نموذج واضح يحدد دور الدولة ودور القطاع الخاص ودور صغار المستثمرين ودور الشركات الكبرى حتى لا يتحول المشروع إلى عبء إداري ومالي”.
ولفت الجوهرى، إلى أن التحدى الأخير يكمن في جذب العمالة والسكان فليس من السهل نقل السكان إلى مناطق جديدة دون خدمات ومدارس ومستشفيات وأسواق وفرص عمل مستقرة ولذلك يجب أن يتحول المشروع إلى مجتمع متكامل لا إلى منطقة زراعية موسمية يعمل بها الناس ثم يعودون إلى المدن القديمة.
المشروع منظومة إنتاج مستدامة
وقال الخبير الاقتصادى، إنه بالنظر إلى زاوية الاقتصاد الكلي فإن المشروع يمكن أن يحقق عدة مكاسب مهمة فهو يدعم الناتج المحلي من خلال الزراعة والتصنيع والنقل ويخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة ويقلل الضغط على فاتورة الاستيراد ويعزز صادرات الحاصلات الزراعية والمنتجات الغذائية كما يفتح الباب أمام استثمارات في التخزين والتبريد والصناعات المرتبطة بالزراعة، وتابع:”لكن هذه المكاسب مشروطة بعدم التعامل مع المشروع كإنجاز إنشائي فقط بل كمنظومة إنتاج مستدامة لها عائد وتكلفة ومخاطر ومؤشرات أداء خاصة وأن الدلتا الجديدة مشروع يحمل أملا كبيرا لأنه يواجه واحدة من أخطر معضلات مصر وهي معادلة السكان والغذاء والمياه والأرض لكنه في الوقت نفسه مشروع صعب ومعقد يحتاج إلى إدارة شديدة الكفاءة حتى لا تتحول الطموحات الكبرى إلى أعباء مالية وتشغيلية”.
وأكد الخبير الاقتصادى، أن نجاح المشروع لن يكون في إضافة أفدنة جديدة فقط بل في خلق نموذج زراعي حديث قادر على إنتاج غذاء أكثر بمياه أقل وتكلفة محسوبة وعائد اقتصادي واضح، وهو ما توليه الدولة أولوية قصوى الآن، وإذا تحقق ذلك فإن الدلتا الجديدة يمكن أن تصبح واحدة من أهم ركائز الأمن الغذائي والتنمية الإقليمية في مصر خلال العقود القادمة.


تعليقات