في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن سنوات المجد الكبرى لليونيل ميسي أصبحت خلفه يواصل قائد منتخب الأرجنتين إثبات أن الأساطير لا تعترف بعامل العمر وأن العبقرية الكروية قادرة على تحدي الزمن حتى في أصعب البطولات وأكبر المسارح.
ومع كل ظهور جديد في كأس العالم يضيف النجم الأرجنتيني فصلًا جديدًا إلى واحدة من أعظم المسيرات الفردية في تاريخ كرة القدم ليؤكد أن ما يقدمه في السنوات الأخيرة لا يقل إبهارًا عما حققه خلال ذروة عطائه مع برشلونة أو منتخب بلاده.
وكان ميسي النجم الأول في فوز الأرجنتين على الجزائر بثلاثية نظيفة في افتتاح مشوار “التانجو” بكأس العالم 2026 بعدما سجل الأهداف الثلاثة بنفسه ليقود حامل اللقب إلى بداية مثالية ويبعث برسالة قوية إلى جميع المنافسين.
هاتريك تاريخي أمام الجزائر
في مدينة كانساس سيتي الأمريكية قدم ميسي عرضًا استثنائيًا جديدًا قبل أيام قليلة من عيد ميلاده التاسع والثلاثين.
وسجل قائد الأرجنتين أهدافه الثلاثة في الدقائق 17 و60 و76 ليؤكد أنه ما زال اللاعب الأهم في تشكيلة “التانجو” رغم ظهور أجيال جديدة من النجوم داخل المنتخب الأرجنتيني.
ولم يكن الهاتريك مجرد مساهمة في حصد أول ثلاث نقاط بل حمل معه أرقامًا تاريخية جديدة أضافها ميسي إلى سجله الاستثنائي في كأس العالم.
معادلة كلوزه واقتراب القمة المطلقة
رفعت ثلاثية الجزائر رصيد ميسي إلى 16 هدفًا في تاريخ مشاركاته بكأس العالم ليعادل الرقم القياسي المسجل باسم الألماني ميروسلاف كلوزه أحد أبرز مهاجمي البطولة عبر التاريخ.
وبات قائد الأرجنتين على بعد هدف واحد فقط من الانفراد بعرش هدافي كأس العالم وهو الإنجاز الذي بدا بعيد المنال لسنوات طويلة قبل أن يعود ميسي ويقترب منه بصورة مذهلة في المراحل الأخيرة من مسيرته.
واللافت أن الجزء الأكبر من هذه الأهداف جاء بعد تجاوزه الخامسة والثلاثين من عمره وهي حقيقة تكشف حجم الاستمرارية الاستثنائية التي يتمتع بها اللاعب.
رقم مذهل بعد سن الـ35
وكشفت شبكة “Squawka” العالمية المتخصصة في الإحصائيات أن ميسي سجل 10 أهداف في كأس العالم بعد بلوغه الخامسة والثلاثين من عمره مقابل 6 أهداف فقط قبل ذلك.
هذا الرقم وحده يكفي لإدراك حجم ما يقدمه النجم الأرجنتيني في المرحلة الأخيرة من مسيرته إذ إن حصيلته التهديفية المونديالية بعد سن الـ35 تتجاوز إجمالي ما حققه عدد من أعظم اللاعبين الذين مروا على تاريخ اللعبة.
فبينما سجل ميسي 10 أهداف في هذه المرحلة العمرية اكتفى غريمه التاريخي كريستيانو رونالدو بتسجيل 8 أهداف فقط خلال جميع مشاركاته الخمس السابقة في كأس العالم بين 2006 و2022.
ولا يتوقف الأمر عند رونالدو فقط بل يمتد إلى أسماء صنعت تاريخ كرة القدم العالمية على مدار عقود طويلة.
مارادونا وهنري وريفالدو خلف ميسي
تشير الأرقام إلى أن ميسي تجاوز أيضًا حصيلة مواطنه الأسطوري الراحل دييجو مارادونا في كأس العالم كما تفوق على الفرنسي تيري هنري أحد أبرز نجوم جيله والبرازيلي ريفالدو الذي لعب دورًا رئيسيًا في تتويج البرازيل بلقب مونديال 2002.
كما يتفوق قائد الأرجنتين على المهاجم الإنجليزي هاري كين الذي يعد أحد أبرز الهدافين في الكرة الحديثة رغم أن الأخير لا يزال يملك فرصة تحسين أرقامه خلال النسخة الحالية وربما في نسخة 2030.
وتعكس هذه المقارنات حجم الإنجاز الذي يحققه ميسي ليس فقط من خلال تسجيل الأهداف وإنما عبر قدرته على الحفاظ على مستواه التنافسي في بطولة تعد الأكثر صعوبة وضغطًا على مستوى كرة القدم العالمية.
معركة جديدة مع رونالدو
ورغم أن المقارنة بين ميسي وكريستيانو رونالدو أصبحت جزءًا ثابتًا من المشهد الكروي العالمي خلال العقدين الماضيين فإن مونديال 2026 يمنح الصراع بينهما بعدًا جديدًا.
فبينما افتتح ميسي البطولة بثلاثية تاريخية رفعت رصيده إلى 16 هدفًا يستعد رونالدو لخوض منافسات النسخة الحالية أملاً في تقليص الفارق ومواصلة التقدم في قائمة الهدافين التاريخيين للبطولة.
وربما تكون هذه النسخة هي الأخيرة للأسطورتين على المسرح العالمي ما يمنح كل رقم جديد قيمة مضاعفة في سباق سيظل حاضرًا في ذاكرة كرة القدم لسنوات طويلة.
لكن ما يفعله ميسي في كأس العالم يتجاوز لغة الأرقام والإحصائيات فالقصة الحقيقية تكمن في لاعب يقترب من الأربعين وما زال قادرًا على حسم المباريات الكبرى وتسجيل الهاتريك وقيادة منتخب بلاده في أصعب البطولات.
ولهذا لا ينظر الأرجنتينيون إلى ميسي باعتباره مجرد هداف أو صانع ألعاب بل باعتباره رمزًا لجيل كامل وواحدًا من أعظم اللاعبين الذين ارتدوا قميص “التانجو” عبر التاريخ.
ومع استمرار مشوار الأرجنتين في مونديال 2026 تبدو الفرصة متاحة أمام قائدها لإضافة المزيد من الأهداف والأرقام القياسية وربما الانفراد رسميًا بصدارة هدافي كأس العالم.
أما الرسالة الأوضح التي خرجت من مواجهة الجزائر فهي أن ليونيل ميسي ما زال يرفض الاستسلام لقوانين الزمن ويواصل كتابة التاريخ في العمر الذي يبدأ فيه معظم النجوم التفكير في الاعتزال.


تعليقات