سؤال يتكرر كثيرًا في عيادات السكري: هل يصوم المريض من الليل حتى الصباح، أم يكفي الصيام خلال ساعات النهار قبل التحليل؟ والإجابة العلمية الدقيقة لها أهمية بالغة، لأن الخطأ في توقيت الصيام قد يؤثر على نتيجة التحليل ويؤدي إلى تشخيص خاطئ أو قرار علاجي غير دقيق.
ماذا تقول الجمعية الأمريكية للسكري؟
حددت الجمعية الأمريكية للسكري (ADA) شرطًا واضحًا لتحليل سكر الصيام، إذ أوضحت إرشاداتها أن الصيام يعني عدم تناول أي سعرات حرارية لمدة لا تقل عن 8 ساعات، أو ما يُعرف بالصيام الليلي الذي يمتد من 8 إلى 10 ساعات. وأكدت الجمعية أن الصيام النهاري وحده لا يكفي لضمان دقة التحليل.
وفي هذا الصدد، أكد الدكتور رأفت بطرس، استشاري السكري والغدد الصماء بكلية طب عين شمس، أن “كثيرًا من المرضى يظنون أن الصيام بضع ساعات خلال النهار كافٍ قبل التحليل، وهذا خطأ شائع يؤثر على دقة النتيجة ويربك القرار الطبي”.
لماذا الصيام الليلي تحديدًا؟
أوصى دليل الجمعية الأمريكية للسكري لعام 2025 بأن يُجدول تحليل السكر في الصباح الباكر حتى يقضي المريض معظم فترة الصيام وهو نائم، وذلك لأسباب علمية دقيقة، أبرزها:
النوم يمنع الإحساس بالجوع ويُقلل من احتمال الأكل أو الشرب عن غير قصد
الجسم في حالة استقرار هرموني أثناء الليل مما يعكس مستوى السكر الحقيقي
الصيام خلال النهار يتزامن مع نشاط الجسم وإفراز هرمونات التوتر التي قد ترفع السكر
ظاهرة الفجر.. سبب إضافي للصيام الليلي
كشفت الأبحاث الطبية عن ظاهرة تُعرف بـ”ظاهرة الفجر”، وهي ارتفاع طبيعي في مستوى سكر الدم يحدث في الساعات الأولى من الصباح بين الثانية فجرًا والثامنة صباحًا، بسبب إفراز هرمونات مثل الكورتيزول وهرمون النمو. ولهذا يجب أن يكون التحليل صباحيًا بعد صيام ليلي ثابت حتى يتسنى للطبيب قراءة هذه الظاهرة بشكل صحيح إن وُجدت.
وأوضح الدكتور رأفت بطرس أن “ظاهرة الفجر تجعل الصيام الليلي ضرورة وليس مجرد توصية، لأن قراءة السكر الصباحية بعد نوم كافٍ هي الأكثر تعبيرًا عن الحالة الحقيقية للمريض، ويعتمد عليها الطبيب في ضبط الجرعات وتعديل الخطة العلاجية”.
كيف تُفسَّر نتائج تحليل سكر الصيام؟
وفقًا لإرشادات الجمعية الأمريكية للسكري لعام 2025، تُقرأ نتيجة تحليل سكر الصيام على النحو الآتي:
أقل من 100 ملجم/ديسيلتر: مستوى طبيعي
من 100 إلى 125 ملغم/ديسيلتر: مقدمات السكري
126 ملغم/ديسيلتر أو أعلى عند قراءتين منفصلتين: تشخيص السكري
ماذا يُسمح به أثناء فترة الصيام؟
أوضحت إرشادات الجمعية الأمريكية للسكري أن شرب الماء العادي مسموح به خلال فترة الصيام، في حين يجب الامتناع تمامًا عن القهوة والشاي والعصائر وأي مشروب يحتوي على سعرات حرارية. كما يُنصح بتجنب التدخين والمجهود البدني الشديد قبل التحليل مباشرةً.
وأضاف الدكتور رأفت بطرس أن “شرب الماء لا يؤثر على نتيجة تحليل السكر، لكن تناول أي مشروب محلى أو حتى القهوة السادة قد يحرك إنزيمات الكبد ويُغير القراءة، لذلك الماء فقط هو المسموح به دون استثناء”.
دراسة علمية تُؤكد أهمية وجبة الليل
كشفت دراسة نُشرت في المجلة الأمريكية للبحوث الطبية (PMC – المكتبة الوطنية للطب الأمريكية) عن نتيجة لافتة، إذ وجد الباحثون أن مستويات الجلوكوز بعد الوجبة الأخيرة في المساء ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمستوى سكر الصيام في صباح اليوم التالي، مما يعني أن تناول وجبة دسمة أو غنية بالكربوهيدرات في المساء قد يرفع قراءة سكر الصيام في الصباح حتى وإن امتد الصيام لأكثر من 8 ساعات.
وعلّق الدكتور رأفت بطرس على هذه النتيجة قائلًا: “هذا ما نلاحظه فعلًا في العيادة، فبعض المرضى يأتون بقراءة سكر صيام مرتفعة رغم صيامهم 10 ساعات، والسبب أنهم تناولوا عشاءً دسمًا قبل النوم. لذلك أنصح المرضى دائمًا بتخفيف وجبة العشاء ليلة التحليل وتجنب النشويات والحلويات”.
هل يختلف الأمر في تحليل السكر التراكمي (HbA1c)؟
نعم، تحليل السكر التراكمي لا يشترط الصيام على الإطلاق، لأنه يقيس متوسط مستوى السكر خلال الثلاثة أشهر الماضية عبر ارتباط الجلوكوز بخلايا الدم الحمراء، بصرف النظر عن آخر وجبة تناولها المريض.
الصيام الليلي ليس مجرد تقليد متبع، بل هو شرط علمي أساسي لضمان دقة نتيجة تحليل سكر الصيام. الصيام من منتصف الليل أو من ساعات المساء وحتى صباح اليوم التالي هو الأمثل، ويجب إجراء التحليل في أول ساعات الصباح مباشرةً بعد الاستيقاظ للحصول على أدق قراءة ممكنة.


تعليقات