يصل لـ3 آلاف جنيه.. انطلاق موسم حصاد فطر «الكمأة» في صحراء مطروح بأرباح وعوائد تصديرية مرتفعة

يصل لـ3 آلاف جنيه.. انطلاق موسم حصاد فطر «الكمأة» في صحراء مطروح بأرباح وعوائد تصديرية مرتفعة

يعتبر فطر الكمأة، أو ما يعرف بين أبناء محافظة مطروح باسم “الترفاس”، أحد أثمن الهدايا التي تجود بها الصحراء الغربية مع بداية فصل الربيع من كل عام. وتعد هذه الثمرة الفطرية، التي تشبه في شكلها الخارجي حبة البطاطس، كنزًا غذائيًا وطبيًا ينتظره أهالي المنطقة بشغف كبير، حيث ترتبط رحلة البحث عنها بطقوس وتقاليد توارثتها الأجيال.

تبدأ قصة ظهور “الترفاس” مع تساقط الأمطار الرعدية المبكرة في فصل الخريف، وتحديدًا خلال شهري أكتوبر ونوفمبر، وهي الأمطار التي يطلق عليها البدو “أمطار الوسم”. وبدون هذه الصواعق والرعد، لا ينبت هذا الفطر نادرا، ولذلك يلقبه البعض في الدول العربية بـ “بنت الرعد” أو “نبات الرعد”، لقدرته الغريبة على النمو تحت باطن الأرض نتيجة التفاعلات الكيميائية التي تسببها الشرارات الكهربائية للبرق مع تربة الصحراء.

أنواع الترفاس وأهميته في صحراء مطروح

تتعدد مسميات فطر الكمأة في العالم العربي، فبينما يسمى في مطروح وليبيا بـ “الترفاس”، يعرف في دول الخليج العربي باسم “الفقع”. وينمو هذا النبات بشكل طبيعي تمامًا دون أي تدخل بشري، فلا بذور له ولا جذور ولا أوراق تظهر فوق سطح الأرض. وتتميز ثمرة الترفاس بأنسجة رخوة ولحمية تجعلها من ألذ الأطعمة الصحراوية وأكثرها طلبًا في الأسواق المحلية والعالمية.

وتشتهر صحراء مصر الغربية بضم أنواع عديدة ومتميزة من هذا الفطر أهمها:

  • النوع “الزبيدي”: وهو يتميز بلونه الأبيض الناصع، ويعتبر الأعلى قيمة غذائية والأغلى ثمنًا بين كافة الأنواع.
  • النوع “الخلاصي”: ويأتي بلون يميل إلى الأحمر، وله مذاق مميز يفضله الكثير من محبي الصحراء.
  • أنواع أخرى تختلف في ألوانها وأحجامها وطعمها، وتنمو جميعها في مجموعات قد تصل إلى 20 ثمرة في البقعة الواحدة.

رحلات البحث والمهارة في استخراج “الكنز المدفون”

مع حلول موسم الحصاد في فصل الربيع، ينطلق الهواة والخبراء في رحلات شاقة تمتد لأيام طويلة وسط الصحراء النائية. وتتطلب عملية العثور على الترفاس خبرة كبيرة، فهو يختبئ تحت قشرة الأرض على أعماق تتراوح بين 2 إلى 5 سنتيمترات. ويستدل الخبراء على وجوده من خلال ملاحظة “فقاقيع” أو تشققات دقيقة تظهر على سطح التربة، وهي العلامة التي تؤكد نضج الثمرة وبدء بروزها للأعلى.

وعند اكتشاف مكان الثمرة، يتم استخراجها بحذر شديد حتى لا تتعرض للخدش، حيث يحرص الباحثون على عدم استخدام الآلات الحادة التي قد تفسد الثمرة أو تقلل من جودتها. وغالبًا ما تتحول هذه الرحلات إلى كرنفالات احتفالية بين أبناء القبائل، فمن يحصل على كمية كبيرة يشعر بالفخر، ويقوم بعضهم بالاحتفاظ بما جمعوه لإقامة وليمة دسمة للأقارب والأصدقاء، تعبيرًا عن الكرم والاحتفاء بموسم الخير.

فوائد طبية وقيم غذائية تجعل الترفاس “ذهبًا” صحراويًا

يعد الترفاس مخزنًا طبيعيًا للعناصر الغذائية ذات القيمة العالية، فهو يحتوي على نسب مرتفعة من البروتين، الدهون، الألياف، والنشويات. كما أنه غني بالمعادن الضرورية للجسم مثل البوتاسيوم، الكالسيوم، الماغنسيوم، والفسفور، بالإضافة إلى الحديد والصوديوم. ويؤكد الخبراء ضرورة غسل الثمرة جيدًا من بقايا الرمال وتقشيرها وطهيها بعناية لضمان سهولة الهضم وللاستمتاع بفوائدها كمقوٍ عام للمناعة.

وللكمأة استخدامات طبية قديمة ما تزال قائمة حتى اليوم، حيث يتم استخراج “ماء الكمأة” لعلاج بعض أمراض العيون وتقوية البصر. كما يعرف الترفاس عند العرب بأنه مقوٍ جنسي طبيعي، لاحتوائه على كميات كبيرة من الفيتامينات والسعرات الحرارية التي تعوض الطاقة المفقودة وتبني الجسم بشكل سليم، ويمكن حفظه مجففًا أو بطرق معينة لفترات تصل إلى عام كامل دون أن يفقد قيمته.

أسعار الترفاس في مصر وأسباب ندرته

نظرًا لصعوبة الحصول عليه وارتباط نموه بظروف مناخية دقيقة، تباع ثمار الترفاس بأسعار مرتفعة جدًا، حيث يتراوح سعر الكيلو جرام الواحد في مصر ما بين 1200 إلى 3000 جنيه، وتختلف القيمة حسب الصنف والحجم والجودة. أما في حالات التصدير أو البيع لبعض المقيمين من دول الخليج، فيصل متوسط سعر الكيلو إلى حوالي 100 دولار تقريبًا، مما يجعله مصدر دخل ممتاز لبعض سكان المناطق الصحراوية.

وينشط خلال هذا الموسم تجار متخصصون يقومون بجمع “الترميز” وتسويقه محليًا أو تصديره للخارج. وتظل ندرة هذا الفطر والرحلات الشاقة التي تبذل في البحث عنه هي السبب الرئيسي وراء بقاء أسعاره مرتفعة العام تلو الآخر، ليبقى الترفاس دائمًا هو الوجبة الأثمن والأنفس في قائمة طعام أبناء البادية ومحبي الرفاهية الغذائية.

أحمد ناصر كاتب أخبار يهتم بتغطية الأخبار العاجلة والشأن العام، مع الالتزام بالدقة والاعتماد على مصادر موثوقة.