بريطانيا تجري تجربة لقاح جديد لإنفلونزا الطيور تحسباً لوباء عالمي

بريطانيا تجري تجربة لقاح جديد لإنفلونزا الطيور تحسباً لوباء عالمي

في خطوة استباقية هامة، أطلق علماء بريطانيون تجارب سريرية على لقاح جديد من نوع mRNA، بهدف رئيسي هو تعزيز جاهزية البلاد لمواجهة أي تفشي محتمل لفيروس إنفلونزا الطيور، خاصة في ظل ظهور متحورات جديدة للفيروس تثير القلق.

تأتي هذه التجارب، المدعومة حكومياً، لتشمل نحو 3000 مشارك من المملكة المتحدة و1000 مشارك من الولايات المتحدة، وذلك استجابة لتطور ملحوظ في قدرة فيروس إنفلونزا الطيور، المعروف علمياً بالرمز H5N1، على إصابة أنواع مختلفة من الثدييات. وقد أوضح علماء في مؤتمر صحفي عُقد مؤخراً بقلب العاصمة لندن، أنهم يجرون حالياً تحليلات معمقة لسلالة خطيرة ومحددة من الفيروس، تُعرف بالرقم 2.3.4.4b، والتي رُصد انتشارها بشكل واسع بين الحيوانات في القارة الأوروبية، مما يثير مخاوف متزايدة بشأن إمكانية انتقالها إلى البشر.

تجربة اللقاح الجديد

تهدف هذه التجربة الجديدة إلى تقييم مدى فعالية اللقاح في إحداث استجابة مناعية قوية لدى المشاركين. وسيتم التركيز بشكل خاص على تشجيع مربي الدواجن على التسجيل للمشاركة في هذه التجارب، لضمان حصولهم على الحماية اللازمة. ويأتي هذا الجهد في ظل خشية الخبراء من أن يتحول فيروس إنفلونزا الطيور إلى جائحة عالمية. يكمن تفضيل استخدام تقنية mRNA في قدرتها على الإنتاج بكميات كبيرة وسريعة، مما يمنح مرونة كبيرة في الاستجابة لأي تفشي واسع للفيروس.

وفي هذا السياق، صرح الدكتور ريتشارد بيبودي، مدير قسم الأمراض المعدية الناشئة في وكالة الأمن الصحي البريطانية، قائلاً: “من الواضح أننا لا نعرف متى ستحدث الجائحة القادمة، لكن ما نعرفه هو أن جائحة الإنفلونزا هي الجائحة الأكثر ترجيحاً في المستقبل، ولذا من الأهمية بمكان أن نضمن استعدادنا التام لها”.

وأضاف الدكتور بيبودي مؤكداً على خطورة الإنفلونزا: “أربعة من أصل خمسة أوبئة تنفسية حدثت خلال القرن الماضي منذ عام 1918 كانت بسبب الإنفلونزا، وهذا يعود إلى أن الإنفلونزا فيروس يتطور ويتحور باستمرار وينتشر على نطاق واسع بين مختلف أنواع الحيوانات”.

وقد تسببت فيروسات إنفلونزا الطيور من السلالة 2.3.4.4b في أكبر تفشٍ وبائي بين الحيوانات شهدته أوروبا على الإطلاق، وتركزت الإصابات بشكل كبير بين الطيور، لكنها امتدت أيضاً لتشمل الماشية. ومع بداية عام 2024، سُجّلت 116 حالة إصابة بشرية مؤكدة على مستوى العالم، ترتبط جميع هذه الحالات تقريباً بمخالطة مباشرة مع حيوانات مصابة، وهو ما ينطبق بشكل خاص على العاملين في مزارع الدواجن والألبان.

لماذا لقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA)؟

تعتمد لقاحات mRNA على مبدأ بسيط وفعال، حيث تحمل هذه اللقاحات “تعليمات” جينية تساعد الجسم على إنتاج بروتينات معينة تكون مطابقة لتلك الموجودة في الفيروس المستهدف. الهدف هو أن يتعرف جهاز المناعة البشري على هذه البروتينات كجسم غريب، ومن ثم يبدأ في إنتاج أجسام مضادة قادرة على مهاجمة الفيروس عند التعرض له في المستقبل.

تتميز لقاحات mRNA عن اللقاحات التقليدية بعدة جوانب. فبينما تعتمد اللقاحات التقليدية على إضعاف الفيروس أو تعطيله لتحفيز الاستجابة المناعية، فإن هذه الطريقة تتطلب أنظمة استزراع معقدة تستغرق وقتاً أطول لإنتاج كميات كبيرة. على النقيض من ذلك، يمكن تحديث “التعليمات” في لقاحات mRNA بسرعة فائقة لتتوافق مع أي سلالات فيروسية جديدة، مع القدرة على إنتاجها بكميات ضخمة خلال فترة زمنية قصيرة، مما يجعلها خياراً مثالياً لمواجهة الأوبئة سريعة الانتشار.

يحظى هذا المشروع البحثي الجديد، الذي وصل إلى مرحلة التجارب السريرية الثالثة، بدعم كبير من المعهد الوطني لأبحاث الصحة والرعاية (NIHR). وفي حال أثبت اللقاح فعاليته، وقدرته على التعامل مع تحورات فيروس إنفلونزا الطيور وجعله أكثر قابلية للانتشار بين البشر، فسيتم البدء فوراً في إنتاجه على نطاق واسع.

محمد فؤاد كاتب في قسم المنوعات، يقدم موضوعات متنوعة وترندات اجتماعية بأسلوب مبسط مع الالتزام بالدقة والمصداقية.