«الأرصاد العالمية»: ظاهرة «النينو» ترفع درجات حرارة سطح البحر في شرق المحيط الهادئ وتغير أنماط المناخ
يعيش كوكب الأرض خلال الآونة الأخيرة مرحلة قلقة من التقلبات الجوية المتسارعة، حيث تتزايد حدة الظواهر المناخية التي تضرب مناطق مختلفة من العالم تارة بالفيضانات العارمة وتارة أخرى بموجات الجفاف القاسية. هذا الاضطراب لم يعد مجرد تغير عابر، بل أصبح واقعًا ملموسًا نعيشه يوميًا، متمثلًا في ارتفاع قياسي في درجات الحرارة واختلال واضح في أنماط المناخ المعتادة التي عرفتها البشرية لسنوات طويلة.
يقف العالم اليوم في مواجهة أحداث مناخية متطرفة وتغيرات جذرية لم يسبق لها مثيل في السجلات المناخية السابقة، ويرجع العلماء والخبراء هذه التحولات الكبيرة في مجملها إلى تأثيرات ظاهرتين طبيعيتين هما “النينيو” و”النينيا”. هاتان الظاهرتان تتبادلان الأدوار في التأثير على الغلاف الجوي والمحيطات، مما يؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة الطقس العالمي وتوزيع الهطول المطري والحرارة بشكل غير متوقع ومفاجئ لجميع القارات.
ما هي ظاهرة النينيو وما علاقتها بالتذبذب الجنوبي؟
تعتبر ظاهرة النينيو جزءًا أصيلًا وركيزة أساسية من ظاهرة مناخية طبيعية أوسع يطلق عليها العلماء اسم “تذبذب النينيو الجنوبي” المعروفة اختصارًا بـ (ENSO). هذه الظاهرة الشاملة تتكون من حالتين متناقضتين تمامًا في خصائصهما وتأثيراتهما، وهما ظاهرة النينيو التي تمثل مرحلة الدفء، وظاهرة النينيا التي تمثل مرحلة التبريد، حيث يعمل كل منهما على تغيير الطقس العالمي وتعديله بشكل جذري وكبير فور ظهورهما.
إن تداخل هذه الظواهر مع النظام البيئي يؤدي إلى سلسلة من التفاعلات الجوية التي تؤثر على الزراعة والأمن المائي وحياة السكان خصوصًا في المناطق القريبة من المحيطات. وعندما تنشط إحدى هاتين الحالتين، تبدأ الضغوط الجوية ودرجات حرارة المياه في التغير، مما يخلق موجات من الطقس المتطرف المتمثل في الأمطار الغزيرة غير المسبوقة في مناطق، والجفاف الحاد الذي يهدد المحاصيل في مناطق أخرى من الكرة الأرضية.
كيف يمكن التعرف على ظاهرة النينيو وقياسها؟
يستطيع المختصون في الأرصاد الجوية والمناخ التعرف على ظهور ونشاط ظاهرة النينيو من خلال رصد مجموعة من القياسات والمعايير الدقيقة التي تطرأ على المحيط الهادئ. هذه القياسات تشمل التغيرات في درجات الحرارة والضغط الجوي، والتي تعطي مؤشرات واضحة على بدء تأثير الظاهرة ومدى قوتها المتوقعة على المناخ العالمي خلال الأشهر التالية لظهورها.
تتم مراقبة هذه التحولات المناخية بدقة عالية عبر محطات الرصد والأقمار الصناعية، وتتلخص أبرز هذه القياسات والمعايير في النقاط التالية:
- رصد درجات حرارة سطح البحر التي تصبح أكثر دفئًا من المعدلات المعتادة والطبيعية في منطقة شرق المحيط الهادئ الاستوائي.
- مراقبة الضغط الجوي الذي يسجل قيمًا فوق المستويات الطبيعية في منطقة داروين بدولة أستراليا الواقعة في غرب المحيط الهادئ.
- تسجيل قيم ضغط جوي تظهر بأنها أقل من المعدلات الطبيعية في تاهيتي التابعة لبولينيزيا الفرنسية الواقعة في وسط المحيط الهادئ.
الأصول التاريخية لاسم النينيو وتوقيت ذروتها
تشير السجلات والدراسات المناخية إلى أن تأثيرات ظاهرة النينيو غالبًا ما تصل إلى ذروتها القصوى وتأثيرها الأقوى خلال شهر ديسمبر من كل عام. هذا التوقيت الزمني ارتبط بقصص تاريخية قديمة، حيث يعتقد المختصون أن مصطلح “النينيو” الذي يعني باللغة الإسبانية “الصبي” أو “الولد الصغير”، قد استمد تسميته من تعبير ديني واجتماعي قديم كان يستخدمه سكان المناطق الساحلية.
وقد نشأ هذا الاسم في الأصل تحت مسمى “El Niño de Navidad” قبل عدة قرون، وذلك عندما أطلق الصيادون في دولة بيرو هذا الاسم على الظاهرة الجوية الغريبة التي كانوا يلاحظونها. وكان السبب في هذه التسمية هو تزامن ظهور وذروة هذه التقلبات الجوية الدافئة مع فترة أعياد الميلاد، فأطلقوا عليها اسم “المسيح المولود حديثًا” بالإسبانية، ومنذ ذلك الحين استقر الاسم في القواميس العلمية لوصف هذه الظاهرة المؤثرة عالميًا.


تعليقات