لا تكون ذكرياتنا عن الأحداث الماضية معزولة عادةً، بل ترتبط بذكريات أخرى ذات صلة، وتعد هذه القدرة على إقامة روابط بين الذكريات المترابطة ميزةً بالغة الأهمية، إذ تُساعدنا على التعرّف على الأنماط المألوفة في المواقف الجديدة، وعلى وضع تنبؤات تُفيدنا في اتخاذ قراراتنا.
ووفقا لموقع “Medical xpress”، أجرى باحثون في معهد أبحاث الدماغ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس مؤخرًا دراسة على الفئران، بهدف فهم أفضل لكيفية تحديد الدماغ للذكريات المترابطة من غيرها، وقد حددت ورقتهم البحثية، المنشورة في مجلة “نيتشر نيوروساينس” ، مناطق الدماغ التي قد تلعب دورًا في تنظيم الذكريات في مجموعات متماسكة من المعرفة.
العلاقة بين الذكريات ومرض الفصام
قال أندريه دي سوزا، الباحث الأول للدراسة،: ” تمكننا القدرة من ربط الأحداث ذات الصلة، وبناء المعرفة، واستخدام التجارب السابقة لتوجيه سلوكنا المستقبلي، مع ذلك تتطلب هذه العملية تحكمًا دقيقًا.”
على الرغم من أن ربط الذكريات ببعضها مفيد للغاية، إلا أنه قد يكون في بعض الحالات غير مفيد أو حتى ضار، فعلى سبيل المثال، قد يُكوّن المرضى المصابون بالفصام أو بعض الاضطرابات النفسية الأخرى أحيانًا ارتباطات خاطئة بين تجارب غير مترابطة في الواقع، إن فهم كيفية ربط الدماغ للذكريات قد يكون ذا قيمة كبيرة، إذ يُمكن أن يُسلط الضوء على كيفية تكوين هذه الروابط الخاطئة أو غير المفيدة.
دراسة دماغ الفأر أثناء أداء المهام السلوكية
كان الهدف الرئيسي لدراسة الفريق هو تحديد الدوائر الدماغية المشاركة في ربط الذكريات، ولتحقيق ذلك أجروا تجارب على فئران بالغة كانت تؤدي مهمة سلوكية.
استكشفت الفئران بيئتين مختلفتين. إذا حدثت التجربتان في وقت متقارب، بفارق حوالي 5 ساعات ، تميل الفئران إلى ربط هاتين الذاكرتين، أما إذا حدثت التجربتان بفارق زمني أكبر، حوالي 7 أيام، فعادةً ما تبقى الذاكرتان منفصلتين. ومع ذلك، إذا كانت البيئتان متشابهتين للغاية، تستطيع الفئران ربطهما حتى بعد 7 أيام.
لفهم ما كان يحدث في دماغ الفئران أثناء ربطها للذكريات، استخدم الباحثون مجاهر دقيقة طُوّرت في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، تُسمى “المجاهر المصغرة” . تُمكّن هذه المجاهر الباحثين من مراقبة نشاط الخلايا العصبية الفردية أثناء استكشاف الفئران لبيئات مختلفة، هذا سمح للباحثون بتحديد الخلايا العصبية النشطة أثناء تكوين كل ذاكرة.
تشير النتائج إلى أن تكامل الذاكرة ينشأ من التواصل بين مناطق دماغية متعددة، حيث حدد الباحثون مسارًا يمكن من خلاله للذكريات السابقة أن تؤثر على كيفية ترميز التجارب الجديدة في الدماغ.
إثراء البحوث المستقبلية التي تركز على الاضطرابات النفسية
تشير نتائج تجارب الفريق إلى أن ربط الذكريات يتم بوساطة قشرة الفص الجبهي، التي تنتقي خلايا عصبية في الحصين لتشفير التجارب الجديدة، ويبدو أن هذه الآلية هي التي تحدد في نهاية المطاف أي الذكريات سترتبط وأيها سيتم تشفيرها على أنها غير مرتبطة.
بهذه الطريقة، تعمل الدائرة كآلية تحكم تساعد على تنظيم الذكريات دون السماح بربط الأحداث المختلفة بشكل غير مناسب، قد يكون لهذه النتائج آثار مهمة على فهم الاضطرابات النفسية، مثل الفصام، وكذلك التدهور المعرفي المرتبط بالعمر، حيث غالباً ما يتعطل تنظيم الذاكرة والقدرة على التمييز بين التجارب المترابطة، وإن كانت متميزة.


تعليقات