شهدت بعض المباريات فى الجولة الأولى التى أقيمت حتى الآن من منافسات كأس العالم 2026 ظاهرة لافتة للنظر تمثلت في التفوق الواضح للمنتخبات الآسيوية أمام منافسيها الأوروبيين في مشهد يعكس حجم التطور الذي شهدته كرة القدم الآسيوية خلال السنوات الأخيرة ويطرح في الوقت نفسه تساؤلات مهمة حول أسباب المعاناة الأوروبية أمام هذا النوع من المنافسين.
فبعد سنوات طويلة كانت خلالها المواجهات بين أوروبا وآسيا تميل بشكل شبه كامل لصالح المنتخبات الأوروبية بدأت موازين القوى تتغير تدريجيًا لتؤكد النسخة الحالية من كأس العالم أن الفجوة الفنية والبدنية لم تعد كما كانت في السابق.
نتائج تفرض نفسها
وحملت الجولة الأولى من البطولة حتى الآن العديد من المؤشرات المهمة فقد نجح المنتخب الكوري الجنوبي في تحقيق الفوز على التشيك بينما تفوقت أستراليا على تركيا وانتزع المنتخب القطري تعادلًا مثيرًا أمام سويسرا في اللحظات الأخيرة قبل أن يفرض المنتخب الياباني التعادل على هولندا بنتيجة 2-2 بعدما عاد في النتيجة مرتين خلال المباراة.
هذه النتائج لم تأتِ من فراغ بل كانت انعكاسًا لتطور واضح في أداء المنتخبات الآسيوية التي أصبحت أكثر قدرة على التعامل مع المباريات الكبرى وأقل رهبة أمام الأسماء الأوروبية التاريخية.
السرعة.. السلاح الآسيوي الأكثر فاعلية
إذا كان هناك عامل مشترك جمع بين معظم المنتخبات الآسيوية التي حققت نتائج إيجابية أمام أوروبا فهو القدرة الكبيرة على تنفيذ التحولات السريعة.
فالمنتخبات الآسيوية لم تعد تعتمد فقط على التنظيم الدفاعي كما كان الحال في الماضي بل أصبحت تمتلك لاعبين قادرين على نقل الكرة من الدفاع إلى الهجوم في ثوانٍ معدودة.
اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا قدمت نموذجًا واضحًا لهذا الأسلوب حيث اعتمدت على استغلال المساحات خلف خطوط المنافسين واللعب المباشر عند استعادة الكرة.
وفي المقابل بدت العديد من المنتخبات الأوروبية عاجزة عن التعامل مع هذه السرعات خاصة عندما تفقد الكرة أثناء التقدم الهجومي.
أوروبا تعاني من المساحات
أحد أبرز أسباب المعاناة الأوروبية يتمثل في الأسلوب الذي تلعب به أغلب المنتخبات الكبرى فالعديد من الفرق الأوروبية تعتمد على الاستحواذ والسيطرة والضغط العالي وهو ما يجعل خطوطها الدفاعية تتقدم إلى الأمام بصورة مستمرة.
ورغم أن هذا الأسلوب يمنحها الأفضلية في امتلاك الكرة فإنه يترك مساحات كبيرة خلف المدافعين وهي المساحات التي تجيد المنتخبات الآسيوية استغلالها بشكل مثالي.
وقد ظهر ذلك بوضوح في مواجهة اليابان وهولندا حيث نجح المنتخب الياباني في ضرب دفاعات الطواحين أكثر من مرة عبر التحولات السريعة والانطلاقات من الأطراف.
تطور تكتيكي كبير
لم يعد نجاح المنتخبات الآسيوية قائمًا على الحماس أو اللياقة البدنية فقط فالمنتخبات الآسيوية باتت تمتلك مدارس تدريبية متطورة وأجهزة فنية على أعلى مستوى كما أصبح عدد كبير من لاعبيها ينشطون في أقوى الدوريات الأوروبية.
هذا الاحتكاك المستمر ساهم في تطوير الفكر التكتيكي للاعبين ومنحهم خبرات كبيرة في التعامل مع الضغوط والمباريات الكبرى.
اليابان على سبيل المثال لم تواجه هولندا بعقلية الفريق الأقل شأنًا بل لعبت بندية كاملة ونجحت في فرض أسلوبها خلال فترات طويلة من اللقاء.
الأمر نفسه ينطبق على كوريا الجنوبية وأستراليا اللتين أظهرتا قدرة كبيرة على قراءة المباريات والتعامل مع تفاصيلها الدقيقة.
العقلية الجديدة
أحد أهم التغييرات التي شهدتها الكرة الآسيوية خلال السنوات الأخيرة يتعلق بالعامل الذهني ففي الماضي كانت بعض المنتخبات الآسيوية تدخل المباريات أمام القوى الأوروبية بهدف تقديم أداء مشرف أو تقليل الفوارق.
أما اليوم فإن العقلية تغيرت بالكامل وأصبحت المنتخبات الآسيوية تدخل المباريات وهي مقتنعة بقدرتها على الفوز والمنافسة وتحقيق النتائج وهو ما انعكس بوضوح على طريقة اللعب والجرأة في التعامل مع المنافسين.
ولعل عودة اليابان مرتين أمام هولندا وتعادل قطر القاتل أمام سويسرا خير دليل على هذه الشخصية الجديدة.
هل انتهت الهيمنة الأوروبية؟
من المبكر الحديث عن نهاية الهيمنة الأوروبية في كأس العالم خاصة أن القارة العجوز لا تزال تمتلك أكبر عدد من المنتخبات المرشحة للمنافسة على اللقب.
لكن ما يحدث في مونديال 2026 يؤكد أن أوروبا لم تعد تملك الأفضلية المطلقة التي كانت تتمتع بها في السابق.
فالمنتخبات الآسيوية أصبحت أكثر تنظيمًا وسرعة وثقة كما باتت قادرة على استغلال نقاط ضعف منافسيها بفاعلية كبيرة.
ومع استمرار البطولة قد نشهد المزيد من المفاجآت إذا واصلت منتخبات القارة الصفراء تقديم المستويات نفسها.


تعليقات