تاريخ شارع فؤاد بالإسكندرية من العهد البطلمي حتى اليوم وأبرز معالمه التراثية القديمة

تاريخ شارع فؤاد بالإسكندرية من العهد البطلمي حتى اليوم وأبرز معالمه التراثية القديمة

تعتبر منطقة وسط البلد في الإسكندرية بمثابة القلب النابض للمدينة القديمة، وهي المنطقة التي تحتفظ بروح التاريخ بعيدًا عن التوسعات العمرانية الحديثة. وتمتد هذه المنطقة التاريخية من الشاطبي وصولًا إلى بحري، حيث تضم في طياتها حكايات تعود إلى آلاف السنين، ومن أبرز معالمها “شارع فؤاد” الذي يعد أقدم شارع في عروس البحر المتوسط.

يحمل شارع فؤاد عبق الماضي وتفاصيل الحضارات التي تعاقبت على الإسكندرية منذ تأسيسها، فهو ليس مجرد طريق للمارة، بل هو متحف مفتوح يعكس التطور المعماري والثقافي للمدينة عبر العصور المختلفة. وفي هذا التقرير، نستعرض لكم الرحلة التاريخية لهذا الشارع العريق وأهم المعالم التي جعلته وجهة سياحية وثقافية عالمية.

تاريخ ونشأة أقدم شارع في الإسكندرية

يرجع تاريخ شارع فؤاد إلى عام 330 قبل الميلاد، حيث أُنشئ رسميًا في عهد البطالمة وكان يعرف آنذاك باسم “الطريق الكانوبي”. وقد تميز الشارع في بداياته بصفوف من الأعمدة الرخامية الفاخرة التي تزين جانبيه من نقطة البداية وحتى النهاية، مما منحه مظهرًا ملكيًا مهيبًا يتناسب مع مكانة المدينة التاريخية.

تعددت الأسماء التي أطلقت على الشارع عبر الزمن، فبعد الفتح الإسلامي لمصر تغير اسمه إلى “شارع رشيد”. ومع تولي الملك فؤاد الحكم، أطلق اسمه على الشارع تكريمًا له، ثم تبدل الاسم مجددًا في عهد الرئيس جمال عبد الناصر ليصبح “طريق الحرية”. ويقع الشارع في منطقة محطة الرمل بوسط الإسكندرية، ويتقاطع مع شارع النبي دانيال الشهير.

اعتمد تصميم الشارع على “النظام الشطرنجي” الذي وضعه المهندس اليوناني دينوقراطيس، وهو التصميم نفسه الذي كانت تُبنى عليه المدن الإغريقية القديمة. ويظهر هذا التخطيط بوضوح في التقاطعات المنظمة والمساحات المتسقة، مما يجعله نموذجًا فريدًا للعمارة الكلاسيكية التي أسسها الإسكندر الأكبر كجزء أساسي من محاور المدينة الطولية.

المركز الثقافي والفني لمدينة الإسكندرية

يعد شارع فؤاد مركزًا رائدًا للفنون والسينما، حيث شهد ولادة أول دور عرض سينمائي في المدينة. ومن أهم معالمه الثقافية دار الأوبرا التي صممها المهندس الفرنسي جورج بارك، وكانت تُعرف قديمًا باسم “تياترو محمد علي”، قبل أن يتم تغيير اسمها إلى “مسرح سيد درويش” في عام 1962، بالإضافة إلى سينمات شهيرة مثل ريو وأمير.

لقد كان الشارع وما زال ملهمًا للمبدعين، حيث سكن فيه الشاعر اليوناني الشهير كفافيس، كما كان المحور الأساسي لرواية “رباعية الإسكندرية” للروائي الإنجليزي لورانس داريل، الذي كان يعمل في منطقة قريبة منه. ويضم الشارع حاليًا قصر ثقافة الإبداع، وقسم العطارين الذي كان يستخدم كمركز للحراسة البريطانية خلال فترة الاحتلال.

الطراز المعماري الفريد وعمارة إرنيستو كارنيفال

تتمتع المباني في شارع فؤاد بطراز فلورنسي ساحر، ومن أبرزها العمارة التي صممها المهندس الإيطالي “إرنيستو كارنيفال” عام 1920. وتجمع هذه العمارة في تصميمها بين الطرازين الإيطالي والإنجليزي، وهو ما يعكس الروح “الكوزموبوليتانية” والتنوع الثقافي الذي اشتهرت به الإسكندرية قديمًا، وتحديدًا في تقاطع شارع فؤاد مع شارع صلاح سالم حاليًا.

اشتهرت هذه العمارة بوجود حلواني “بودرو” اليوناني العريق في أسفلها، وهو المكان الذي كان مقصدًا للطبقات الراقية والباشوات والوزراء. وتميز هذا المحل بتقديم قائمة متنوعة من الأصناف الفاخرة تضمنت:

  • الحلويات اليونانية والتركية والفرنسية التقليدية.
  • المخبوزات الفرنسية الشهيرة والبسكويت الطازج.
  • العصائر الطبيعية والأرز باللبن المتميز.
  • الآيس كريم المشهور الذي كان يُصنع بطريقة خاصة وفريدة.

يؤكد الخبير الأثري محمد سعيد أن شارع فؤاد يمثل معلمًا رئيسيًا في الإسكندرية، حيث تقصده الأفواج السياحية الأجنبية لزيارة المتاحف المحيطة به، مثل المتحف القومي والمتحف اليوناني الروماني. ويحرص الزوار دائمًا على التقاط الصور التذكارية بجانب المباني الأثرية التي تروي قصة بناء الإسكندر الأكبر لهذه المدينة العريقة بأسلوب معماري متميز.

أحمد ناصر كاتب أخبار يهتم بتغطية الأخبار العاجلة والشأن العام، مع الالتزام بالدقة والاعتماد على مصادر موثوقة.